عبدالباقي العمري جامع الأضداد.. مديح علي بحبر شاعر من سلالة عمر

القطيف: صُبرة
في مثل هذه الليلة من كل عام؛ يستذكر المسلمون الشيعة قصيدة شهيرة في مديح الإمام علي.. قصيدة عبدالباقي العمري، الشاعر الذي هام عشقاً في النبيّ (ص) وأهل بيته (ع) وأصحابه (ر).
القصيدة العينية تمثل جسر وحدة بين المسلمين؛ كتبها شاعر من الطائفة السنية، إجلالاً لمكانة الإمام عليّ.. فمن يكون الشاعر الذي وصف علياً بأنه “فوق العلى”..؟!
في أزقة الموصل العتيقة، ومن صلب بيتٍ ينتهي نسبه إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ولِد عبد الباقي العمري سنة 1788م.
ولم يكن يدري هذا الفتى أنه سيصبح يوماً جسراً أدبياً تعبر فوقه المحبة بين المذاهب، ليثبت أنَّ “حب أهل البيت” ليس حكراً على طائفة، بل هو فضاء واسع يتسع لكل القلوب.
بغداد: لقاء الروح والشعر
انتقل العمري إلى بغداد، لؤلؤة العباسيين، وهناك بدأت تتشكل ملامحه الأدبية. رغم انشغاله بالمناصب الإدارية الرفيعة في الدولة العثمانية، إلا أن قلبه كان معلقاً بـ “العترة الطاهرة”.
كان العمري يرى في علي بن أبي طالب والحسن والحسين نموذجاً للفروسية والزهد والقيم التي يجب أن يقتدي بها كل مسلم، بغض النظر عن انتمائه.
“العينية”.. وثيقة العشق
لم يكن مدح العمري لأهل البيت مجرد مجاملة اجتماعية، بل كان انصهاراً روحياً عبّر عنه في قصيدته “العينية” التي تُعد من عيون الشعر العربي. في هذه القصيدة، يخاطب الإمام علي بن أبي طالب بكلمات زلزلت الأوساط الأدبية حينها:
أنتَ العليُّ الذي فوقَ العُلا رُفِعـا
ببطنِ مكةَ عندَ البيتِ إذ وُضِعـا
وأنتَ نُقطةُ باءِ البسملاتِ وما
تلا لِسانُ نبيٍّ قَبْلَها وقَـعا
في هذين البيتين، يذهب العمري إلى أبعد الحدود الصوفية في تعظيم مكانة الإمام، معتبراً إياه “نقطة البداية” في أسرار الكتاب الكريم.
الحسين.. دمعة الشاعر السني
لم يقف العمري عند مدح الإمام علي، بل تفجع لذكرى كربلاء، وكتب في رثاء الإمام الحسين كلمات تقطر حزناً، متجاوزاً الحساسيات المذهبية الضيقة.
لماذا أثار العمري الدهشة؟
القصة الحقيقية هنا تكمن في “المفارقة الجميلة”؛ ففي زمن كانت فيه الصراعات السياسية والمذهبية تشتد أحياناً، كان عبد الباقي العمري “الفاروقي” يمثل صوت الاعتدال والسمو الأدبي. لقد أثبت أنَّ احترام الجذور (انتماؤه لآل الخطاب) لا يتعارض مع الانفتاح على أغصان الشجرة النبوية (حب أهل البيت).
يقول عنه المؤرخون إنه كان “جامعاً للأضداد”، فقد مدح الصحابة ومدح الآل، وجعل من ديوانه “ترياق الفاروق” و “الباقيات الصالحات” مزاراً لكل من يبحث عن لغة تجمع ولا تفرق.
شعر لإخماد فتنة النجف
في عهد الدولة العثمانية (القرن التاسع عشر)، نشب نزاع داخلي حاد في مدينة النجف بين فئتين كبيرتين (يُعرفون تاريخياً بالشمرت والزقرت). تطور النزاع إلى صدامات مسلحة هددت استقرار المدينة المقدسة وأرقت الأهالي والعلماء، وفشلت كل الوساطات السياسية والعسكرية حينها في وضع حد للاقتتال.
وكان عبد الباقي العمري يشغل منصباً إدارياً رفيعاً في بغداد (كتخدا)، وكان معروفاً ببراعته الأدبية وعلاقته الطيبة مع كافة الأطراف. فقرر التوجه إلى النجف لإنهاء الأزمة بنفسه، ليس بقوة السلاح، بل بقوة الشعر والولاء.
الخطة الذكية
بدلاً من عقد اجتماع سياسي جاف، دخل العمري إلى الصحن الحيدري، وطلب جمع وجهاء الطرفين المتنازعين والمقاتلين في حضرة الإمام علي (عليه السلام).
عندما اجتمع الناس والسيوف لا تزال مشحوذة، وقف العمري وسطهم وألقى قصيدته “العينية” الشهيرة التي يمدح فيها الإمام علي بن أبي طالب، والتي يبدؤها بقوله:
أنتَ العليُّ الذي فَوقَ العُلى رُفِعا
ببطنِ مكةَ وسطَ البيتِ إذ وُضِعا
استمر العمري في إلقاء القصيدة بأسلوب مؤثر، مستعرضاً فضائل الإمام وشجاعته وعدله، حتى وصل إلى أبيات تذكرهم بأنهم جيران هذا الضريح العظيم، وأن الاقتتال في حضرته هو إهانة للمقام الكريم.
النتيجة والأثر
بفعل العاطفة الدينية الجياشة وجمال الشعر الذي لامس القلوب، سادت حالة من الخشوع والبكاء بين الحاضرين، وشعر المتنازعون بالخجل من أفعالهم أمام عظمة الشخصية التي يمدحها العمري.
ثم قام زعماء الفتنة من الطرفين وتعانقوا في الصحن الشريف، وأعلنوا انتهاء الاقتتال إكراماً لصاحب المرقد.
وقد بقيت قصيدته محفورة على جدران الروضة الحيدرية كشاهد على تلك اللحظة التاريخية.
رحيل وبقاء
توفي العمري في بغداد عام 1861م، ودُفن بالقرب من مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان، لكن قصائده في مدح “حيدر” والآل بقيت تُنشد في المجالس والمحافل، لتظل شاهدة على أن الشعر، حين يخرج من قلب صادق، يذيب الجليد بين الطوائف ويصنع من الكلمات وطناً للجميع.



