أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب 125] امتحان قصير.. وطريق طويل

أملالخميس 8 يناير 2026، 3:00 م
سيرة طالب 125] امتحان قصير.. وطريق طويل

الشيخ علي الفرج

تخرّجتُ من المرحلة الثانوية، وكان في القلب آنذاك ميلٌ لا يهدأ، وهو الاستقرار في النجف؛ حيث للعلم هيبته، وللدراسة معنى يتجاوز حدود القاعات الرسمية.

وفي تلك الفترة، أي تخرجنا من الثانوية، كان بعض زملائي قد عقدوا العزم على الالتحاق بمعهد المعلّمين في الدمّام، طمعًا في التخرّج ومزاولة مهنة التعليم، والوقوف يومًا على السبورة حاملين الطباشير بدل الأحلام المؤجَّلة.

قال لي أحدهم: التحقْ معنا، فغدًا سنذهب ثمانيةً من زملاء الصف للتسجيل.

فمرّت الفكرة في ذهني مرورًا عابرًا، إذ كنت قد شاورت والدي في السفر إلى النجف، وكان القرار يقترب من الاكتمال، ولن تفصلني عنه سوى أيّام. لذلك لم أشأ أن أُفصح عمّا في داخلي، فقلت له بهدوء: إن شاء الله، سأذهب معكم.

توجّهنا إلى معهد المعلّمين، وكان القبول مشروطًا باختبارٍ شفهي. دخل المتقدّمون واحدًا بعد آخر، فخرج بعض الزملاء متجهمي الوجوه، متضجّرين من صعوبة الأسئلة. ثم جاء دوري، فدخلت قاعة الاختبار، والمسؤولون ثلاثة أساتذة.

سُئلت أولًا: في أي مادّة ترغب أن تكون مدرسًا؟

فأجبت بثبات: اللغة العربية وآدابها.

ثم جاء السؤال الثاني على نحوٍ مفاجئ: الشريف الرضي يمدح الخليفة العبّاسي، ويعبر هذا الشاعر عن المساواة بينه وبين الخليفة في المجد والشرف، فمن هو هذا الخليفة العباسي؟

فأجبت بلا تردّد: القادر بالله.

ثم سُئلت: هل تعرف هذه الأبيات الثلاثة المشهورة؟

قلت: نعم، وأحفظها وهي:

عطفًا أميرَ المؤمنين فإنّنا

في دوحةِ العلياءِ لا نتفرّقُ

ما بيننا يومَ الفخارِ تفاوتٌ

أبدًا، كلانا في المعالي مُعرِقُ

إلّا الخلافةَ ميّزتكَ، فإنّني

أنا عاطلٌ منها، وأنتَ مطوَّقُ

تبادل الممتحنون نظرات الدهشة؛ إذ لم يكن مألوفًا أن يُجيب شاب في التاسعة عشرة من عمره بهذا الاطمئنان. فأمسك أحدهم القلم وكتب مبتسمًا: ناجح، مبروك.

خرجت إلى زملائي، وهم واقفون بوجوه يكسوها الإحباط، يقولون: لم نُحسن الجواب. فقلت بهدوء: قالوا لي ناجح مبروك. فازداد اندهاشهم، إذ كانوا يظنّون أنّ نتيجة النجاح لن تُعلن إلا في اليوم التالي.

تلك الحادثة بقيت في ذاكرتي كوميضٍ في ليلٍ طويل؛ ذكرى لا تُنسى. ومع ذلك، لم أعد إلى المعهد مرةً أخرى، فقد مضيتُ حيث اختار القلب طريقه منذ البداية، إلى دربٍ آخر، أطول مسافة، وأعمق معنى.