أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قراءة رواية "يأتي في الربيع": الانتظار بوصفه بديلاً عن الفعل

محمد السيدالثلاثاء 6 يناير 2026، 11:57 ص
قراءة رواية "يأتي في الربيع": الانتظار بوصفه بديلاً عن الفعل

محمد المخرق

في هذه القراءة لرواية يأتي في الربيع للكاتبة أميرة المضحي، يطرح النص سؤال الانتظار بوصفه تجربة داخلية لا حدثا خارجياً، هل الانتظار فعل أم حالة؟، وهل يمكن للإنسان أن يقيم طويلا داخل فكرة واحدة، دون أن تتحول إلى قدر؟

بين صفحات رواية يأتي في الربيع، وجدت نفسي أتجول في حوارات النفس والصمت والانتظار أكثر من تتبع الأحداث.

أميرة المضحي

السرد لا يدفع القارئ نحو ما سيقع، بل يسحبه بهدوء إلى ما يتشكل في الداخل، إلى تلك المنطقة المعلقة بين الرغبة والاحتمال، تبدو الرواية وكأنها لا تتقدم بقدر ما تمكث داخل مساحة شعورية واحدة، يتراكم فيها المعنى عبر الإقامة لا الحركة.

الشخصيات تتحرك وفق منطق الأمل لا الفعل، فارق نفسي دقيق، لكنه بالغ التأثير، الأمل هنا لا يعمل كقوة اندفاع، بل كآلية بقاء تسمح بالتأجيل وتخفف وطأة المواجهة، فيغدو التردد قابلا للاحتمال، ومؤجلاً باسم الغد.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الانتظار بوصفه صورة من صور ما يُعرف في علم النفس (بتجنب القرار)، حيث يُستعاض عن الفعل بأفق مؤجل لأن كلفته النفسية أقل من مواجهة الخسارة المحتملة، وهذا التردد مألوف إنسانيا، نختبره حين نؤجل الحسم لأن البديل يبدو أكثر إيلاماً من البقاء في منطقة وسطى لا نربح فيها ولا نخسر تماماً.

الزمن في الرواية متحرّر من التتابع المنطقي، ويُختبر بوصفه حالة شعورية ممتدة. الربيع لا يحضر كفصل، بل كوعد، وعد يمنح الشخصيات سبباً للبقاء بين الفقد والرجاء.

ومع امتداد الانتظار، يتعمق التعلق بفكرة القادم، لا لضمانه، بل لأن التخلي عنها يكشف فراغا يصعب احتماله.

في هذا المستوى تحديدا، يتجلّى ذكاء السرد عند أميرة المضحي إذ لا تُقدِّم الانتظار كعجز درامي فجّ، ولا كأزمة أخلاقية مُعلَنة، بل تصوغه بوصفه حالة نفسية قابلة للتبرير من الداخل. هذا الخيار لا يُريح القارئ، بل يورطه تدريجيا في منطق الشخصيات، ويجعله شريكا في تأجيل الحسم قبل أن ينتبه إلى كلفته.

هنا لا تُدين الرواية التردد مباشرة، لكنها تتركه يعمل بكامل منطقه، وهو ما يمنح النص قوته المزعجة: أن يجعل القارئ يفهم التبرير قبل أن يشك فيه.

يتجلّى هذا المعنى في مشاهد تُترك فيها الشخصيات عند حافة الفعل، ثم تُعاد إلى الداخل عبر مبررات نفسية ناعمة: انتظار إشارة أوضح، ظرف أنسب، زمن أقل التباسا، في هذه اللحظات، يُستبدل القرار بإعادة التفكير فيه، وكأن السرد نفسه يتراجع خطوة.

عند هذا الحد، لا يعود الانتظار مجرّد آلية نفسية لتخفيف وطأة الخسارة، بل يقترب من منطقة أكثر إشكالاً: متى يصبح الانتظار تواطؤا مع الخسارة لا مجرّد وسيلة للبقاء؟ حين يتحوّل الأمل من قوة مؤقتة تحمي الذات إلى ذريعة دائمة لتعليق الحسم، يغدو الانتظار فعل انسحاب ناعم لا حياداً وجودياً.

هنا لا نكون أمام شخصيات عاجزة عن الفعل بقدر ما نحن أمام وعي يختار تأجيل الخسارة بدل مواجهتها، لأن كلفة القرار تبدو أفدح من كلفة الإقامة داخل الوهم.

غير أن هذا الخيار السردي، على دقته النفسية، يفتح سؤالا لا يمكن تجاوزه: إلى أي حد تمنح الإقامة الطويلة داخل الحالة الشعورية عمقا إضافيا، ومتى تعرض النص لخطر الدوران داخل الإحساس ذاته؟.

في بعض المقاطع، تعمل الرقة اللغوية والانفعال العاطفي كغطاء جمالي يخفف حدة السؤال بدل دفعه إلى ذروته، هنا يتحول التردد من موضوع الى إيقاع عام، قد يربك القارئ بين كونه اختيارا واعيا أو منطقة أمان جمالية.

لغة الرواية امتداد مباشر للحالة النفسية للشخصيات. الكلمات لا تصف الداخل فحسب، بل تؤدي وظيفة وقائية، تؤجل الانكسار وتمنح ما لا يمكن تغييره صيغة أكثر احتمالا، هذه الوظيفة، على جمالها، قد تتحول في مواضع محدودة الى ملاذ لغوي يحمي الشخصيات، وربما السرد نفسه، من مواجهة لحظة الحسم بكامل قسوتها. يُقدم الانتظار بوصفه حلا أقل قسوة من المواجهة، ويظهر الأمل كمسكن شعوري يسمح بالاستمرار.

تكشف الرواية كيف يتحول الانتظار، بهدوء، إلى عادة نفسية يُعاد تبريرها باسم الغد، وبفكرة أن الربيع حين يأتي سيعيد ترتيب كل شيء. عند هذه النقطة، يصبح الربيع تعويذة داخلية أكثر من كونه زمنا قادما.

الربط بين يأتي في الربيع وأعمال أميرة المضحي السابقة يبدو طبيعياً، فالحضور الكثيف للداخل النفسي، والزمن بوصفه حالة، والصمت كعنصر سردي، واللغة المائلة إلى الرقة والانفعال، عناصر تتكرر بأشكال مختلفة، كاشفة عن مشروع يشتغل على سؤال واحد من زوايا متعددة: كيف يعيش الإنسان داخل ما لم يكتمل؟.

وأنا أغادر النص، لم أخرج بانطباع أنني قرأت رواية عن الحب، بقدر ما قرأت عن تلك اللحظة التي نعيد فيها تسمية التردد كي نحتمله، الانتظار هنا لا يُقدم بوصفه ضعفاً صريحاً، بل كحل نفسي أقل قسوة من المواجهة، يتحول مع الزمن إلى إقامة مستقرة داخل وهم آمن. لا لأن الربيع مضمون، بل لأن التخلي عن فكرته يعري فراغا لا تملك الشخصيات الشجاعة الكاملة لمواجهته.

تكشف الرواية كيف يمكن للأمل، حين يُفصل عن الفعل، أن يتحول من طاقة مؤقتة إلى عادة نفسية، يُعاد تبريرها باسم الغد، وبوعد أن الزمن وحده كفيل بإعادة ترتيب ما عجزنا عن ترتيبه بأنفسنا، عند هذه النقطة، لا يعود الربيع زمنا قادما بل تعويذة داخلية نلوذ بها كلما اقترب القرار من أن يُتَّخذ.

هكذا تضعنا الرواية أمام حقيقة غير مريحة: أحياناً لا نعيش داخل الظروف، بل داخل فكرة واحدة نرفض مغادرتها، وأحياناً لا ننتظر لأن الواقع قاس، بل لأن الحسم أشد قسوة.

الرواية لا تعد بأن الربيع سيأتي، لكنها تضع إصبعها على ما نتجنبه عادة: بعضنا لا ينتظر التغيير، بل يستخدم فكرة الربيع كمساحة اختباء مؤجلة من مواجهة نفسه.

لعل أخطر ما في الانتظار أنه يمنحنا شعوراً بالحياة… دون أن يُجبرنا على عيشها..