أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيكولوجيةالأدب 3] المختبئ خلف النّص

محمد السيدالثلاثاء 6 يناير 2026، 10:16 ص
سيكولوجيةالأدب 3] المختبئ خلف النّص

*أسعد علي النمر

قيل المرء مخبوء تحت لسانه. ولربما يصدق هذا القول أيضاً على النص، فالمرء مخبوء في نصّهِ؛ ما يعني أن اختيار الكاتب لنصوصه أو عباراته متولّدة، أحياناً، من رغبة أو رغبات مكبوتة أو لا شعورية (تشبه تمني رغبة في حُلم) وهو الغالب.

وهنا يمكننا القول: إن حركة تدفق الكلمات في القول والكتابة مرهونة بحرية مقيّدة بالرقابة الذاتية (الأنا العُليا) أو مثالية الأنا التي تعمل على تنظيم الانتباه الداخلي (نوع من الاستبطان Introspection ) بهدف اختيار ما يجب أن يُقال أو يدوّن وما لا يجب، أو تنساب الكلمات، قولاً أو كتابةً، بقيود أقل مقاومة أو منخفضة من الذات الواعية (الأنا) أو بمقاومة بالكاد تحدث (تداعي حر Free association).

فكلما انخفضت المقاومة، بدا القول أو النّص ابداعياً، كالنّص الأدبي، أو مفككاً (كما في الاضطراب العقلي عادةً). وهذا يعني أن مستوى انسيابية تدفق الكلمات يخضع للمقدار الذي تأثر به الكاتب منذ طفولته وحتى لحظته الراهنة.

وبالتالي، تقدّم لنا هذه الانسيابية مؤشراً مهما لرصد مقدار الهيمنة اللاشعورية في القول والنّص. ومن هنا، أجد من الأهمية بمكان أن نتعرّف على بعض آليات اللاشعور كمكوّن أساسي في فهم النّص أو القول.

إرهاصات اللاشعور في الأدب، ورد مفهوم اللاشعور قبل ظهور التحليل النفسي، لكن بدأ أكثر تحديداً، نسبياً، بعد أن طرحه سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي ليصف جانباً أساسياً من الشخصية أو البنية السيكولوجية، بل عُدَّ اللاوعي جزءاً من نطاق الأدب، وإن على نحو غير مباشر عادةً، وهذا يدعونا لمناقشة وفهم هذا المفهوم ضمن صلته بالأدب.

خمس كلمات قالها جان بلان نويل في كتابه المهم في موضوعه “التحليل النفسي والأدب” استوقفتني لأنها تلخص ما أودّ قوله في هذه المجال؛ قال “الأدب يحمل في طيّاته اللاوعي”(1). وهذه بدقة، الخطوة الأولى لإماطة اللثام عن المخبوء في النّص. فالنّص هو جزء من ذاكرتنا التي تراكمت فيها خبراتنا منذ أن استطاع جهازنا العصبي منذ طفولتنا أن يجمع ويحتفظ بما يصل إليه من معلومات.

وهذا التراكم شكّل نظامنا المعرفي الممزوج بالانفعالات الذي تحوّل جزءٌ منه إلى ما أُطلق عليه اللاشعور أو اللاوعي أو العقل الباطن. فـهذا العقل هو ذلك المستوى الخفي من وعينا أو من خبراتنا الغائبة عن إدراكنا الشعوري المباشر التي تستمر في التأثير في سلوكنا وحياتنا النفسية عبر آثاره الانفعالية التي نعيها. فلربما نجهل السبب الأصلي الكامن وراء شعور أو انفعال ما؛ لأنه في الغالب ما يكون مكبوتاً أو غير موعى به، مع ذلك نحِسُّ بنتائجه على شكل – مثلاً – كل توترٍ مفاجئ، أو خوفٍ غير مبرر، أو نفورٍ غامض، أو انجذابٍ لا نستطيع تفسيره أو مفردة تقفز لوعينا الشعوري فنتردد أو نمتنع عن قولها أو تدوينها أو نحاول توريتها.

وهكذا، يعمل اللاشعور بوصفه مستودعاً تتراكم فيه الدوافع والرغبات التي لا نعيها في صيغتها الأصلية (الصيغة الغريزية)، بل تظهر كاستجابات وجدانية أو انفعالية تسبق إدراكنا المعرفي لها، فهذه المشاعر والانفعالات بمثابة إشارات تدل على وجود قوى سيكولوجية تتحرك في أعماقنا، تؤثر بنا من الخلفية دون أن نراها مباشرة.

لذلك، أجد من المفيد إيضاح دور اللاشعور في دينامية شخصية الكاتب أو الكاتبة أو في النّص. وهذا يدعونا لاستقصاء ما طرحه سيجموند فرويد وجان لاكان لأهمية ما ناقشاه في طبيعة الصلة بين التحليل النفسي والأدب. وهذا لا يلغي حضور اطروحات محللين نفسيين آخرين كانت لهم آراؤهم المهمة في التحليل النفسي أمثال كارل يونغ، وألفرد أدلر، وأنَّا فرويد، وكارن هورني، وكاري ستاك سوليفان، ومصطفى صفوان، ومصطفى زيور، وعلي زيعور، وصلاح مخيمر.

وللحديث بقية..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ الحلقة السابقة

سيكولوجية الأدب 2] العملية الإبداعية شكل من أشكال العلاج الرمزي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

* اختصاصي بعلم نفس إكلينيكي