الدكتور المعتوق: الشعراء تشكيليون في الأصل

الدمام: ليلي العوامي
أمسية ثقافية اتسمت بالعمق المعرفي وتميزت بنقاش واسع حول “المجاز بين اللغة والأدب”، استعرض فيها الدكتور أحمد المعتوق تجربته الفكرية والإبداعية، مقدمًا قراءة رصينة لعلاقة المجاز بالفنون ودوره في تشكيل الوعي الجمالي وتطوير اللغة، واختتمت بإطلاق كتاب “تاروت الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة”.
الأمسية نظمها نادي صوت المجاز الأدبي، بالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بالدمام، بدأت بكلمة للشاعر “فريد النمر”، كشف فيها عن حرص “المعتوق” على مشاركة الحضور تجربته والحديث معهم رغم مروره بظرف صحي، مشيرًا إلى سيرته العلمية، ومؤكدًا أنه أحد أبرز الأسماء النقدية التي تجمع بين المعرفة الأكاديمية والتجربة الإبداعية.
ما المجاز؟
تحدث “المعتوق” في بداية كلمته عن المجاز، مؤكدًا أنه مرتبط بكل الفنون، ويشكّل جوهر اللغة وروح الفن وقاعدة كل أشكال التعبير الإنساني، وهو في الأساس نقله من الجانب العقلي للحسي.
وبين أن “المجاز عملية نقل للمعنى من المجال العقلي إلى المجال الحسي، ثم إعادة إنتاجه في سياق فني أكثر ثراءً واتساعًا، فاللون في اللوحة، والصوت في الموسيقى، والحركة في المسرح، كلها أشكال مجازية تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها الكلمة في الشعر والنثر”، مشدداً على دور المجاز في تطوير اللغة، والارتقاء بالنتاج الأدبي.
وبشأن العلاقة بين المجاز والفنون التشكيلية، أوضح أن الأخيرة هي ما توثق ارتباط الشعر بالمجاز، فكلها تعمل كما يعمل الأدب؛ تنقل الأفكار وتجسدها وتشير إلى كل الأنواع الأدبية المشتركة.
وأردف بالقول: “لهذا نرى كل الشعراء هم في الأصل فنانون تشكيليون أو يعشقون فنًا من الفنون، أنا كنت أعشق الفن التصويري والنحت؛ وأعتقد بأنه ليس هناك أدب جميل مالم يخالطه المجاز، فهو الأساس في التعبير عن الإحساس“.
الشعر قائم على الثقافة
وتطرق الدكتور المعتوق في حديثه إلى الشعر، مؤكدًا أنه من الصعب تعريفه، لأنه مرتبط بالشعور الإنساني وهو ممتد، مبينًا أن “الكلمة هي التي تعكس الشعور وتجسده، فانعكاس وتجسيد المشاعر هو ما يسعى إليه الشاعر”.
وشدد على أن الشعر ليس مجرد فهم للعروض، بل يجب أن يقوم على ثقافة أدبية واسعة تُبلور فهم الإنسان وإحساسه، موضحًا أن الإنسان الذي ليس له قدرة وتمرس في الشعر لا يدرك معنى وقيمة الكلمة وأبعادها، مشدداً على دور المجاز في تجسيد أبعاد لا يدركها الإنسان العادي.
ولفت المعتوق إلى أن الشاعر المبدع والحر هو الذي لا يتكل على السابقين في قوله، وإنما ينطلق ويبدع بنفسه متحررًا من كل القيود التي ينطلق منها.
وعن إدراك العلاقات قال: “من لا يتقن لا يبدع، إدراك العلاقات يفهمه الشاعر الذي تصقله المعرفة والقراءة المباشرة في النتاج الشعري والأدبي، وحينما كنت في النجف كنا نسمع الشعر ونقرأ الشعر ونحن في المرحلة الابتدائية”.
من وراء البحر
ضيف الندوة كشف عن سبب تسميته “ديوان من وراء البحر”، قائلًا: “أطلقت عليه هذا الاسم لأن القصائد دونتها من وراء البحر بمجاز يعبر عما يعيشه الإنسان، وهناك شيء لا يبصره إلا أنا ويعبر عن الإحساس وأعماق الإحساس”.
في العراق وأمريكا
واصل الحديث عن تجربته بالقول: “بدأت النظم في العراق وكنت أكتب النثر، وحينما سافرت إلى الولايات المتحدة كانت هناك بواعث تخالط مشاعري جعلتني أخرج ما أشعر به، ووجدت نفسي أنظم الشعر”.
وعن تلك المرحلة من حياته، قال: “الواقع الذي عشته في أمريكا هو الذي أوجد اللغة وعشقي لجميع الفنون، وقد كنت في طفولتي مجنونًا بالفن، رسمت لوحات الصف الذي كنت أدرس فيه، وأتذكر الاحتفالات التي كانت في العراق ويشارك فيها فنانون كثر وكنت منهم أعمل مجسمات وتُعرض وبعضها أخذوها، وهذا شيء أعتز فيه كثيرًا، حتى النحت البارز والخفي كنت أصنع شعارات من الجبس وكلها مواهب واعدة متداخلة”.
طاقات القطيف.. تحتاج توجيه
ويرى “المعتوق” بحكم تجربته الثقافية، أن لدى شباب القطيف طاقات رائعة ومنتجة لكن ليس هناك توجيه، موضحًا أن الحظ لم يسعفه ليقرأ لشعراء القطيف، وذلك بسبب اغترابه في العراق ثم الولايات المتحدة.
وتمنى المعتوق أن يكون في القطيف شاعرات مبدعات، مردفًا: “لا أستبعد من شباب القطيف أن ينبضوا في المستقبل ليكون لدينا شاعرات عريقات”.
حديث بحب..
وعن كتاب “تاروت الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة“، محور الندوة الأساسي، حيث جرى توقيعه، تحدث المعتوق بحب وروح مختلفة تمامًا، موضحًا أنه غير أي كتاب يبرز الجانب التاريخي، حيث انطلق فيه من كل ما يرتبط بالمجتمع.
وأشار إلى أن الجميع يستطيعون قراءته؛ لأنه كتب بلغة أدبية، ويرصد تاريخ تاروت منذ أن كانت قرية حتى تحولت إلى مدينة.
واستعاد الكاتب ذكرياته مع والده، وتاروت، حيث الدافع الأساسي لخط هذه الكلمات، مشيرًا إلى أنه كان واسع الذاكرة وكثير الارتباط بالمجتمع، متابعًا: “كنتُ إلى جانب والدي 23 عامًا، أسمعه حينما يسرد لنا قصة ما، فشد انتباهي وأنا بعيد عن تاروت 6 سنوات فقط من عمري، ثم ارتحلت للعراق وعشت 23 سنة وفي الصيف كنت أزور تاروت وأكون قريبًا منها”.
المرأة في فكر المعتوق
اختتم المعتوق حديثه مبينًا أن هذا الكتاب جاء من باب البر للمدينة، معبرًا عن حبه الشديد لها، وهو ما دونه بين سطوره التي تناولت فصلًا كاملاً عن المرأة “الزوجة ـ الأم ـ العاملة ـ المربية ـ الفنانة”.

















