سيكولوجية الأدب 4] النموذج الفرويدي.. جبل الجليد
![سيكولوجية الأدب 4] النموذج الفرويدي.. جبل الجليد](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2025%2F12%2F%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B1.avif)
*أسعد علي النمر
الإنسان في التصور الفرويدي ليس واعياً بنفسه بالكامل، بل تحكمه قوى لاشعورية عميقة، وأن ما نعيه شعورياً ليس سوى قمة جبل الجليد.
جبل الجليد الفرويدي
مؤسسة التحليل النفسي سيجموند فرويد شبّه العقل بجبل جليد Iceberg (الشكل 1) واصفاً العقل في ثلاثة مستويات: الشعور Conscious: الجزء الضئيل الظاهر في قمة الجبل فوق سطح الماء. وهو جزء من حياتنا العقلية الموعى بها. وما قبل الشعور Preconscious وهو منطقة تخزين المعلومات التي لا نفكر فيها عادةً ولكن يمكننا استرجاعها عند الحاجة (خبرات يمكن تذكرها).

بينما الجزء الأكبر من هذا الجبل يبقى مطموراً تحت السطح أو غير موعى به. بحسب فرويد، يحتوي اللاوعي على مخزون هائل من الأفكار والذكريات والرغبات والمشاعر التي تقع خارج نطاق إدراكنا الشعوري (منطقة الهو Id: الغرائز). وغالباً ما يكون هذا المخزون مكبوتاً لأنه يُشكل تهديداً أو إزعاجاً شديدين (قلق) يصعب مواجهتهما مباشرةً من قِبل الأنا Ego عندما تتسرّب منها رغبات غريزية للسطح.
مع ذلك، رأى فرويد أن هذا المخزون يظل مؤثراً في سلوكنا بشكل عميق، حتى وإن كنا لا ندركه أو لا نعيه شعورياً. على سبيل المثال، قد يخشى شخص التحدث أمام الجمهور ليس بسبب خبرة شعورية مؤلمة، بل بسبب ذكرى مكبوتة لموقف محرج من طفولته ولا يزال يؤثر فيه انفعالياً. وبالمثل، قد ينجذب الشخص لفتاة بعينها للوهلة الأولى دون أن يفهم السبب (حب النظرة الأولى)، ربما بسبب مشاعر لا واعية أو خبرات سابقة لا يدركها العقل الشعوري فوراً.
اللاشعور تحقيق رغبة
هناك في أعماق العقل – اللاشعور – تتكدّس خبراتنا التي لا نريدها أن تظهر أو تُعلن عن نفسها. مع ذلك، اللاشعور ليس مجرد مخزن لخبرات مكبوتة، بل جهاز نفسي يعمل وفق مبدأ واحد أساسي: تحقيق الرغبة. هذه الرغبة أو تلك قد تكون بسيطة، أو رمزية، أو حتى مناقضة لما يريده الشخص في وعيه، لكنها تستمر في البحث عن منفذ للتعبير عن نفسها. فقد يكون هذا المنفذ أحلامنا، أو فلتات لساننا وزلات قلمنا، أو هذياننا أحياناً، أو نصوصاً نكتبها أو عبارات ننطقها. ويمكن الوصول لهذه الرغبات بأساليب معروفة في التحليل النفسي، كالتداعي الحر، وتفسير الأحلام Dreams interpretation، أو عبر فهم حيل دفاعية Defensive mechanisms، كالإسقاط والإعلاء.
أحلامنا منفذ لرغباتنا المحرّمة
لسان حالنا أثناء النوم (الأحلام) ليس هو ذاته، تقريباً، أثناء يقظتنا. هذا التباين ناقشه فرويد باستفاضة في كتابه الشهير “تفسير الأحلام”(1). فما يقوله الحالمُ عن حلمه بعد استيقاظه يشكّل جزءاً مبتسراً ومحرّفاً من محتوى الحلم الفعلي. فهناك أحداث وتفاصيل لا يتذكرها الحالم لأنه قد نساها أو بالأحرى كُبتت قبل أن تدركها الأنا.
يركّز فرويد على عمل الحُلم على آليتي التكثيف Condensation والإزاحة Replacement اللتان تعملان على تغيير ملامح الحُلم كما يحدث أثناء النوم ليبدو الحُلم بعد اليقظة نوعاً من السّرد ينقصه وضوح الدوافع الكامنة خلفه. وهنا تتجلى وظيفة التكثيف والإزاحة. فالتكثيف يقوم على تجميع ودمج عدة أفكار، أو رغبات، أو مشاعر، أو صور لاشعورية في عنصر واحد أو صورة واحدة تظهر في الحلم أو في الزلَّة (زلّة اللسان أو القلم). ففي التجميع تحدث عملية جمع وتراصف العناصر المختلفة معاً في صورة واحدة، حيث تبقى هذه العناصر قابلة للتمييز إلى حد ما. أي تحدث عملية جمع وتراصف العناصر المختلفة معاً في صورة واحدة، حيث تبقى هذه العناصر قابلة للتمييز إلى حد ما. وهذا يشبه الفسيفساء حيث تلتصق القطع معاً إلا أن كل قطعة تحتفظ بهويتها المنفصلة (لكل قطعة ما يميّزها). وبهذا المعنى للتجميع في آلية التكثيف تفيد بأن الكثير من المحتوى غير الظاهر (المخزون اللاشعوري الخام المنفّر أو غير المقبول خاصةً الجنسي والعدواني) يُحشر حشراً أو يُضغط ضغطاً بالتجاور (بطريقة تشبه ضغط الملفات بلغة كمبيوترية).
لكن عناصر الحلم المتجاورة تنزع نحو الاندماج (عملية الدمج في الحلم). والدمج هنا بمعنى اذابة وخلط العناصر معاً لتشكّل كياناً جديداً متجانساً تماماً مختلفاً عن جميع العناصر، حيث تذوب الحدود بين العناصر الأصلية (كقطع الفسيفساء لم تعد قطعاً متمايزة في الدمج) لتبدو عنصراً واحداً ذا هوية مختلفة لكنها ترمز لهذه العناصر. فالدمج في الحلم يعمل مثل العصير المخلوط حيث تختفي المكونات الأصلية لصالح كيان جديد متجانس له خصائصه المتميّزة.
وخلاصة القول: يؤدي التكثيف دوره في الحلم من خلال التجميع والدمج معاً بشكل متكامل. الفرق هو في درجة الانصهار بين العناصر اللاواعية. التجميع يحافظ على تعدد العناصر، بينما الدمج يشكّل كياناً جديداً. وكلاهما يخدع الرقابة (الأنا العُليا) التي تسمح بالتالي للكثير من المحتوى بالظهور في صورة مكثفة تقبلها الأنا أو تقبلها على مضض بالنتيجة. فما نرويه في الحلم ليس إلا نتيجة لعملتي التجميع والدمج (التكثيف) حيث تغيب تفاصيله التي يستهدفها التحليل النفسي في العلاج عادةً. فالتكثيف في الحلم قد يكون في صورة حيوان مفترس يجسّد مثلاً خوفك من والدك القاسي، أو قلقك من امتحان قادم، أو تعبيراً عن شعورك بالذنب تجاه خطأ ارتكبته، أو بحالات مرضية: رغبة بقتل عزيز (أفكار وسواسية مرتبطة بقتل الأم لطفلها). فكل هذه بمثابة دلالات مكثفة في صورة الحيوان المفترس(2).
وبالنسبة للإزاحة، فهي انتقال الشحنة الانفعالية من فكرة مهمة إلى فكرة أخرى أقلّ تهديداً، وتعمل مع التكثيف بحيث تنتقل المعاني عبر سلسلة من الروابط لتستقر في صورة أو كلمة تصبح مركز الحلم. فمثلاً، قد يحلم أحدهم الغاضب من والده بحيوان يهاجمه لأن الغضب أُزيح إلى صورة الحيوان المهاجم. كما يحدث في الرّهاب (الفوبيا) حين يتحوّل القلق الداخلي إلى خوف من موضوع خارجي كالمصعد أو المكان المرتفع. وتستفيد رقابة الحلم من هذا الميل الطبيعي للإزاحة، فتُختار صور غير مثيرة للانتباه لتمثيل المعاني المكبوتة. وقد شُبّهت الإزاحة بالكناية لأنها تعتمد على تجاور المعاني والصور التي تَقَع قرب بعضها في الخبرة أو الذاكرة، أو ترتبط ببعضها بسهولة داخل اللاوعي، حتى لو لم يكن بينها علاقة منطقية مباشرة. أي أن اللاوعي يربط الأفكار لتقاربها زمنياً أو مكانياً أو وجدانياً. فلك أن تتخيل، مثلاً، أن والدك صرخ فيك (حدث مؤلم)، وبنفس الوقت كانت هناك ساعة كبيرة معلقة على الجدار. اللاوعي يسجل الحدثين معاً. لاحقاً، ربما يثير منظر ساعة كبيرة توتراً مفاجئاً دون سبب واضح. وهذا يعني، أن الإزاحة تحتاج طريقاً تسحب فيه الشحنة الانفعالية من فكرة تهديد إلى فكرة أقل تهديداً أو آمنة نسبياً. فتوجيه الأبن غضبه نحو والده فكرة مثيرة لذنب لا يُطاق، لذلك يتجنبها لا شعورياً بإزاحتها لجهة أقل توتيراً أو إقلاقاً.
وللحديث بقية . . .
اقرأ الحلقة السابقة
ــــــــــــــــــــــــــ
*اختصاصي بعلم نفس إكلينيكي
https://www.sobranews.com/#_ftnref1(1) فرويد، سيجموند. (1969). تفسير الأحلام، الطبعة الثانية. ترجمة: مصطفى صفوان. القاهرة: دار المعارف بمصر. (الطبعة الأصلية نُشرت 1900).
(2) فيما يتعلق بعلاقة الحيوان المفترس في حُلم وفكرة وسواسية بقتل أم لطفلها، يمكن القول: إن العقل اللاواعي يكثّف من خلال دمج عدة أفكار ومشاعر مكبوتة في صورة أو فكرة واحدة موجزة وغنية بالدلالة. ففي الحلم، قد يظهر التكثيف على شكل رمز مركّب، كحيوان مفترس قد يمثل قوة تهديد وعدوانية الأم المكبوتة في آن واحد. أما في حالة اليقظة العصابية، فقد يظهر التكثيف كعرض، مثل الفكرة الوسواسية المفاجئة بأن الأم قد تقتل طفلها. وهذه الفكرة لا تعكس رغبة واعية في القتل، بل هي تكوين رد الفعل Form reaction وإزاحة لصراع لا واعي؛ حيث يتم كبت مشاعر عدوانية أو سلبية غير مقبولة (الهو) نحو الطفل أو نحو دور الأمومة المُقَيِّد، وتتحول – تحت رقابة الأنا العليا الصارمة – إلى فكرة مرعبة عن الإيذاء في صورة قتل، تعيشها الأم كخوف وسواسي. وبذلك، يصبح القلق البارز تعبيراً معكوساً عن الرغبة المكبوتة، ووسيلة دفاعية للأنا. إذن، سواء في الحلم أو العرض، فالتكثيف هو آلية لا واعية تعبر من خلالها طاقة الدوافع المكبوتة (الليبيدو والعدوانية) المشحونة بالقلق إلى سطح الشعور في شكل مُرمَّز ومكثَّف.
ـــــــــــــــــــــــ
اقرأ الحلقة السابقة



