سيكولوجية الأدب 5] النموذج اللاكاني.. الدال والمدلول
![سيكولوجية الأدب 5] النموذج اللاكاني.. الدال والمدلول](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2025%2F12%2F%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B1.avif)
*أسعد علي النمر
أحد أكثر المحللين النفسيين تأثيراً في عصره؛ إنه جاك لاكان Jacques Lacan الذي عُدَّ مجدداً لأطروحات فرويد. ففي مشروعه الذي أعلن عنه بأوائل خمسينات القرن العشرين عن ضرورة “العودة إلى فرويد Return to Freud” عبر الرّجوع إلى نصوص فرويد نفسه، وإلى قراءة وفهم دقيقين لتلك النصوص. وعلى مدى السنوات الست والعشرين التالية، انخرط في مشروع القراءة الدقيقة لهذه النصوص؛ فأعاد بناء نظرية التحليل النفسي الفرويدي بعد أن فقدت قيمتها جرّاء مراجعات قام بها جيل من المحللين النفسيين الذين أتوا بعد فرويد فرأوا أهمية تصحيح ما قدمه من تنظير. وبهذه العودة اللاكانية إلى فرويد طرح لاكان مقولته الشهيرة “اللاوعي هو بُنيةٌ كاللغة The unconscious is structured like a language” وهو ما يعني أهمية العودة إلى اللاشعور الذي قال عنه إنه خطاب الآخر، وهذا القول يتباين عمّا في التنظير الفرويدي. وإن صياغة لاكان للأفكار الفرويدية الأساسية عن الأنا واللاوعي (من خلال الإشارة إلى الخيالي والرمزي والواقعي) أرسى خطاباً تحليلياً مميزاً تجاوز ما قدمته آراء تحليلية نفسية أخرى أتت بعد فرويد (كعلم نفس الأنا Ego psychology، وعلاقات الموضوع Object relations، ونظرية كلاين Kleinian theory)(1).

اللاشعور واللغة. عُرف اللاشعور كبُنية في التنظير الفرويدي باعتباره محتوىً من الرغبات والدوافع المكبوتة التي تخضع لمبدأ اللذة. لكن جاك لاكان، كأبرز المحللين النفسيين بالقرن العشرين، أعاد فهم اللاوعي بكونه ليس مستودعاً للرغبات المكبوتة فقط، بل هو بُنية لغوية تعمل بحسب نظام لغوي، خاصةً علاقة الدال Signifier بالمدلول Signified(2). ما يعني أن لاكان قدّم فهماً لأداء اللاشعور ضمن دمج مناهج اللغة في التحليل النفسي مستفيداً من آراء العالمين الفرنسيين عالم اللسانيات فرديناند دي سوسير، وعالم الأنثربولوجيا البنيوية كلود ليفي شتراوس. فمثلاً، اللغة بمثابة نظام من العلامات Signs، وكل علامة تتكوّن من دالٍّ ومدلول، وأن العلاقة بينهما اعتباطية؛ أي أن هذه العلاقة ليست طبيعية أو أصيلة بل نتاج لاتفاق اجتماعي وثقافي(3) (4). وبالتالي، تُصبح الذات مُدمجة في نظام اللغة، ولا يمكن فهمها إلا من خلال البنى اللغوية.

وفي هذا السياق، اتخذ لاكان من مفهوم الدال والمدلول إطاراً سيكولوجياً لمعالجة نظام اللاشعور وصلته باللغة سواء أكانت منطوقة أو مكتوبة. فافترض رؤية مختلفة عن تلك المعروفة في التنظير الفرويدي التقليدي للاشعور. رأى أن اللاشعور مُنَظَّمٌ مثل اللغة التي لها قواعد نحو وصرف، وعلاقات بين الكلمات كتحديد معنى الحبّ من معنى الكُره، والعكس. فمشاعرنا ورغباتنا المكبوتة، كما يرى لاكان، لا تطفو بشكل عشوائي، بل تتبع قواعد ورموز مثل اللغة تماماً. وهنا يأتي الدور الأساسي لمفهوم الدال والمدلول في اللسانيات. فالدال هو الصورة الصوتية أو شكل الكلمة المكتوبة (مثل الأحرف ق ل م التي تنطق قلم أو ش ج ر ة لكلمة شجرة. أما المدلول فهو الفكرة أو المفهوم الذي يثيره في أذهاننا (معنى القلم – الدال – قد يأخذ معنى المعرفة أو العلم أو أي معنى رمزي للقلم – مدلول. أو معنى الشجرة – الدال – الذي ربما ترمز إلى الثبات أو التاريخ أو العائلة أو العطاء – المدلول). ويذهب لاكان إلى أبعد من ذلك، فللدال الأسبقية على المدلول، وهو بذلك يعكس علاقة الدال بالمدلول التي أتى بها سوسير (المدلول أسبق من الدال: معنى الشجرة كمدلول يسبق كلمة شجرة كدال). دعونا نوضح ما ذهب إليه لاكان حول هذه العلاقة: يرى لاكان أن الدال هو الأساس وهو الذي يخلق المعنى (المدلول) وليس العكس. المعنى ليس ثابتاً أو جوهرياً في الكلمة، بل هو منتج لسلسلة من الدوال تتحرك وتنزلق (تداعي حر بالمفهوم الفرويدي). فلنتخيل المعنى كقطار سريع. فأنت لا تستطيع رؤية محتويات القطار (المدلولات أو المعاني أو المضامين أو الأفكار والانفعالات والمشاعر) لأنه يتحرك بسرعة، لكنك ترى العربات (الدوال) تتلاحق الواحدة بعد الأخرى. المعنى لا يوجد داخل عربة واحدة، بل في العلاقة بين العربات وفي مسارها. فالمعنى – هنا – غير مستقر أبداً. فأي كلمة قد تحمل معاني متعددة حسب سياقها وعلاقتها بالكلمات الأخرى. والمدلول (الفكرة أو الانفعال) ينزلق باستمرار تحت الدال (الكلمة) ولا يمكن الإمساك به بشكل نهائي. أما المعنى فلا يأتي من كلمة منفردة، بل من العلاقة بين الكلمات في جملة أو خطاب. المعنى يتشكل من خلال تتابع الدوال. فعلى سبيل المثال، تخيل أنني أقول لك الكلمات التالية بالترتيب: عشب، مربعة، أرض. وعندما تسمع أرض، قد تفكر في تربة، كوكب، مكان. وعندما تضيف مربعة، يبدأ المعنى بالتغير. قد تفكر في شكل هندسي، أو في ملعب. وعندما تضيف عشب، فجأة يتشكل المعنى النهائي: ملعب كرة قدم مثلاً.
المعنى (مدلول ملعب كرة قدم لم يكن موجوداً في كلمة أرض، ولا في مربعة، ولا في عشب بشكل منفرد. إنه نتيجة لسلسلة الدوال وتتابعها. الدال الأخير عشب هو الذي أعطى المعنى للدوال التي سبقته. إذن، الدال هو الذي قاد وشكّل المدلول.
وهذا ما يمكن تطبيقه على تفسير الأحلام عند لاكان. فعندما يحلم شخص بثعبان، لا يمكننا القول إن مدلول الثعبان ثابت مثل الخطر أو الجنس في التحليل الفرويدي الكلاسيكي. بل يُنظر – وفق لاكان – إلى دال الثعبان في سياق الدوال الأخرى في حياة هذا الشخص. إذ ربما كان هذا الشخص يقرأ عن آلهة الطب الإغريقية التي يحمل عصاها ثعبان، أو ربما شاهد حبلاً ملتوياً يشبه الثعبان. فالمعنى – هنا – كمدلول للثعبان في الحلم يتحدد من خلال سلسلة الدوال المرتبطة به في اللاوعي، وليس من خلال معناه القاموسي.
وللحديث بقية . . .
اقرأ الحلقة السابقة
سيكولوجية الأدب 4] النموذج الفرويدي.. جبل الجليد
ــــــــــــــــــــــــــــ
*اختصاصي بعلم نفس إكلينيكي
(1) علاقات الموضوع هي تصور للاوعي يرى أنه يتكوّن من صور وتمثيلات داخلية للذات وللآخرين تشكّل عالمًا من العلاقات لا شعوريًا يوجّه المشاعر والسلوك (أنظر(Greenberg, J. (1983). Object relations in psychoanalytic theory. Harvard University Press, PP 92 – 93. يختلف هذا التصور عمّا طرحه فرويد الذي اعتبر اللاشعور مخزناً للدوافع المكبوتة، وعن لاكان الذي رأى اللاشعور كبنية لغوية من الدوال وتنظيم رمزي للذات في النّص. وبالنسبة لنظرية ميلاني كلاين عن اللاوعي فتركز على العلاقة بين الأم والطفل بدلاً من العلاقة بين الأب والطفل، وألهمت المفاهيم المركزية لمدرسة العلاقات الموضوع في التحليل النفسي. شددت كلاين على أهمية الأشهر الأربعة أو الستة الأولى بعد الولادة. وبهذا المعنى، ترى ميلاني كلاين أن اللاشعور يتكوّن من علاقات داخلية مبكرة بين الطفل وموضوعات أولية مثل الأم، حيث تتشكل صور الأم الجيدة والأم السيئة والقلق والشعور بالذنب والرغبة في الإصلاح منذ الشهور الأولى؛ أنظر Klein, M. (1921). The development of a child. Love, guilt and reparation and other works, 1945, 1-53.
(2) صديق، البدوي فتحي. (2022). مختارات من كتابات جاك لاكان. القاهرة: دار منهل للنشر والتوزيع. ص ص 234-248.
(3) Johnston, A. (2024). Jacques Lacan. In E. N. Zalta & U. Nodelman (Eds.), The Stanford encyclopedia of philosophy (Summer 2024 Edition). Stanford University.
(4) سوسير، فردناند دي.(1987). محاضرات في علم اللسان العام. ترجمة: عبد القادر قنيني. افريقيا الشرق.
ــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ الحلقة السابقة



