أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قراءة في سقف الكفاية لمحمد علوان.. حين يتقدم الصوت على الحدث في الرواية المعاصرة

محمد السيدالإثنين 12 يناير 2026، 9:00 ص
قراءة في سقف الكفاية لمحمد علوان.. حين يتقدم الصوت على الحدث في الرواية المعاصرة

محمد المخرق*

في بعض الروايات، لا يحدث ما ننتظره، ومع ذلك لا نتوقف عن القراءة.

في الروايات التي تقوم على الحبكة التقليدية، يُقاس تقدم السرد بما يحدث: انتقال، صدام، تحول، أو ذروة تقود إلى نتيجة.

ومع تطور أشكال الكتابة الروائية، بدأت هذه المعادلة تفقد بداهتها، وظهر سؤال آخر يتعلق بمحرك السرد ذاته: ماذا لو تولت اللغة، وتحديدا الصوت السردي، وظيفة الدفع التي كانت مسندة إلى الحدث؟ في هذا الأفق، يتجه السرد نحو إدارة زمن داخلي يتشكل عبر القول، وتغدو الوقائع أقل مركزية في تنظيم التجربة.

من هذا المنطلق يمكن النظر إلى سقف الكفاية بوصفها رواية يتراجع فيها الفعل لصالح تضخم صوتي متواصل، حيث يحتل المونولوج مساحة السرد الأساسية. وهنا يتحول السؤال من ترقب ما سيقع إلى تأمل ما يفعله الصوت حين يتقدم وحده داخل النص.

يتشكل البناء السردي في سقف الكفاية حول صوت داخلي ممتد يظهر بوصفه مركز الثقل في الرواية. هذا الصوت لا يعمل كتعليق عابر بين مشهدين، وإنما يملأ المساحة السردية منذ بدايتها. في مقاطع طويلة، تتكرر بنية لغوية واحدة تقريبا: اعتراف يعقبه تأمل، ثم استعادة شعورية تعود إلى النقطة نفسها دون أن تُحدث انتقالا في موقع الشخصية أو في علاقتها بالعالم.

يتابع القارئ تياراً لغوياً متصلاً تتكاثر فيه الجمل التأملية والصور، بينما يبقى المسار الحكائي عند المستوى ذاته. هكذا يتقدم الصوت بوصفه العنصر الأكثر فاعلية في النص، معتمدا على الإلحاح والاستمرار أكثر من اعتماده على التحول.

مع هذا التمركز الصوتي، يعاد تشكيل الزمن الروائي. الزمن في سقف الكفاية يتخذ هيئة امتداد شعوري قابل للتمطيط، حيث تتحقق الحركة عبر الاستمرار في القول. القارئ يدخل في إقامة لغوية طويلة داخل الحالة نفسها، ويختبر إحساسا بالحركة نابعا من تدفق اللغة.

في الوقت ذاته، يبقى التقدم الحدثي محدودا، فتبدو الرواية وكأنها تتحرك داخل لغتها أكثر مما تتحرك عبر الوقائع. في هذا السياق، يغدو الصوت جزءا من بنية الزمن ذاته، لا عنصرا مضافا إليه.

ينتج عن ذلك تحول في مركز المعنى. التجربة الروائية تتحدد بما تظل معلقة عنده، لا بما تفضي إليه، يميل الصوت إلى إطالة اللحظة، ويستقر السرد داخل مساحة اختبار لغوي لفكرة التأجيل. القارئ لا ينخرط في تتبع سلسلة أحداث، وإنما يشارك في معايشة زمن مؤجل، حيث تتولى اللغة مهمة الحفاظ على الحركة. في هذا الإطار، تتقدم القدرة على الاستمرار في القول بوصفها القوة المحركة للنص.

هذا الاختيار السردي يستحضر تجارب روائية أخرى جعلت المونولوج الداخلي محور البناء، ومنحت اللغة موقعا متقدما في تشكيل النص. غير أن خصوصية سقف الكفاية تظهر في توجيه هذه الطاقة الصوتية نحو إطالة التعليق أكثر من توجيهها نحو الكشف أو التحول. يتحول الصوت هنا إلى آلية تؤجل الفعل السردي، وتعيد توزيع طاقة النص باتجاه اللغة نفسها.

هذا المسار يمنح الرواية قوة جمالية واضحة، ويكشف في الوقت ذاته عن مخاطر كامنة، إذ إن الإقامة الطويلة داخل الصوت قد تقود إلى نوع من الاكتفاء اللغوي الذي يخفف من حدة التوتر الداخلي.

من هذه الزاوية، تتشكل سقف الكفاية بوصفها رواية تقوم على ما يقال في ظل محدودية ما يحدث. المونولوج الداخلي يحتل موقع الفعل داخل البنية السردية، ويتحول إلى أداة لإدارة الزمن وتأجيل القرار، مع الحفاظ على استمرارية النص. هكذا تتضح الإجابة عن السؤال الذي يوجه هذه القراءة: في هذه الرواية يتقدم الصوت على الحدث بوصفه بنية سردية كاملة تعيد تعريف الحركة داخل النص. وحين يكتسب الصوت هذه القدرة على الإقناع، تتحول الرواية إلى تمرين لغوي طويل على تأجيل ما كان يمكن أن يجري.

إيضاح القراءة:

هذه القراءة لا تسعى إلى تأويل التجربة الوجدانية في سقف الكفاية، ولا إلى تقييمها أخلاقيا، بل إلى تتبع آلية سردية بعينها وكيفية اشتغالها داخل النص. ما يهم هنا ليس ما تقوله الرواية عن الحب أو الفقد، بل ما تفعله باللغة حين تجعل الصوت بديلا عن الحدث، بكل ما يحمله هذا الاختيار من قوة ومخاطر في آن واحد..

* ناقد وكاتب دراسات أدبية.