أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب 126] الثرثار

أملالسبت 17 يناير 2026، 3:17 م
سيرة طالب 126] الثرثار

الشيخ علي الفرج

الثرثرةُ كلمةٌ، على المستوى الصوتي، تومئ إلى معناها قبل أن تُفهم؛ فهي تتكوّن من تضعيف مقطعٍ لسانيٍّ هو (ثَر)، وكلا حرفيه يُؤدَّيان بحركةٍ لسانيةٍ صريحة، كأن اللسان هو بطل الكلمة الأوحد. ولعلّ في هذا ما يجعل الثرثرة لفظًا مكتمل المحتوى، لا يحتاج إلى شرحٍ طويل، لأنه يشرح نفسه بنفسه.

والثرثار، في هذا السياق، كائنٌ نما لسانُه أكثر مما نمت بقية أعضائه؛ حتى صار يعتقد ـ في وعيه الباطن ـ أن نموّه يتوقف متى سكت، وأن تطوّره ككائن حيٍّ مرهونٌ باستمرار هذه الحركة اللسانية. فإذا صمت، تحوّل من حالٍ ديناميكي إلى وضعٍ استاتيكي، لا حياة فيه.

ويذهب بعض الثرثارين إلى أبعد من ذلك، فيمارسون مهنتهم وكأن الله لم يخلق لهم سمعًا، ولم يخلق لغيرهم أفواهًا. بينما يرى آخرون أن الله خلق أفواه الناس ليأكلوا بها فحسب، كي تستمر حياتهم، ويؤدّوا في الوقت ذاته وظيفة الاستماع بلا مقاومة تُذكر.

وإذا سكت الثرثارون، فلا تظنّ أنهم استراحوا؛ إنما يسكتون بحثًا عمّا سيقولونه. وربما وازنوا بين الأحاديث التي ألقوها على رؤوس الناس: أيّها أطول؟ ليختاروا ما يضمن لهم متعةً زمنيةً أكبر.

ويفاجئك بعض المحترفين في هذا الفنّ بأنهم يفكّرون بألسنتهم؛ فلا يسكتون أبدًا، وأنت لا تتكلم أبدًا. وإذا رأيت أحدهم صامتًا، فاعلم أنه قد بذل جهدًا مضاعفًا في ذلك اليوم، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وتخيّل ـ يا أخي ـ ثرثارًا محترفًا يسافر وحده… ما توقّعك؟ يرى البعض أن ذلك غير ممكن أصلًا، لكن الواقع يدحض هذا الرأي؛ إذ نشاهد في حياتنا العملية من يُقدم على هذه المغامرة الكلامية، مع التسليم بملكتهم طبعًا.

من هنا نشأت مشكلة في تحليل هذه الظاهرة. والرأي السائد أن الثرثار الذي يسافر وحده إنما يخطط لمشروعٍ كلاميٍّ كبير؛ إذ سيتعرّف، لا محالة، إلى أول رجل يجلس بجانبه في الطائرة. وسيكون هذا المسكين جاهلًا بمغامرات الأستاذ (ث.م)، فلا بد من تعريفه ـ من باب الأمانة الإنسانية ـ ببعضٍ من جوانب حياته وإنجازاته. وقد يكون اللقاء الأول ممتعًا إذا كان المسكين من ذوي الاستماع الطيّب، أو الغباء المطلق.

أما المشكلة الحقيقية، فتظهر إذا كان المسكين ممن لا يحبون الكلام في السفر؛ حينها سيحاول تمرير كلمة اعتذار ـ إن قُدّر له ذلك ـ أو يتظاهر بدوارٍ في الرأس أو بنعاسٍ مفاجئ.

وفي هذه الحالة، ينظر أستاذنا إلى عينيه كل خمس دقائق: هل استيقظ أم لا؟

بينما يحاول الآخر، بطرفٍ خفيّ، أن يتحقق: هل نام الأستاذ أم لا؟

والمصيبة غير المتوقعة أن يكون رفيق الدرب الجديد محترفًا من الفصيلة نفسها. وهنا، وبتعبير أدق، لن تتوقع ماذا يحدث!

أما أنت ـ أيها المستمع ـ فليس لك إلا أن تضع الحطب على أعصابك ليكون الاشتعال أطول؛ فلن ترى نافذةً ولا بابًا تهرب منهما، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا…

يا لَأعصاب المستمعين.