احترمته الدولة وأجلّه العلماء ووقّره الناس السيد السلمان.. خليل الفلسفة والحوزة


لقاء آخر بين خادم الحرمين والسيد السلمان
القطيف: صُبرة، خاص
على نحوٍ واضحٍ جداً، ومنذ مراحل مبكرة؛ أدرك السيد علي بن السيد ناصر السلمان الأحسائي طبيعة مسؤولياته، ليس كعالم دين فحسب، بل بوصفه، أيضاً، رجل مجتمع، وجسراً متعدّد الأثر في ضفافٍ صعبة. يمكن القول إنه حظيَ باحترام الوسط الحوزوي، وإجلال الناس، واحترام الأوساط الرسمية في بلاده.
وحين وصفه الناعون، اليوم، بأنه “رجل الحكمة”؛ فإن هذا المديح الجدير اقترب، إلى أقصى حد، من توصيف شخصية “السيد” الذي خاض غمار تسعين عاماً، صارماً محافظاً على رباطة موقفٍ أصيلٍ، حتى في أدقّ الأحداث، وأكثرها اضطراباً وصعوبة.

أمير الشرقية و السيد السلمان

نائب أمير الشرقية والسيد السلمان
مواجهة الإرهاب
في التاسع والعشرين من مايو 2015؛ واجه السيد حدثاً إرهابياً عنيفاً أوقع 4 شهداء في المسجد الذي يؤمّ الناس فيه، مسجد الإمام الحسين بحي العنود في الدمام. فكان موقفه نموذجاً عميقاً في ضبط النفس، وتعزيز السلم الأهلي، وقطع الطريق أمام الفتن الطائفية.
وقع التفجير بمحاولة إرهابي متنكر بزي نسائي دخول مصلى السيدات في المسجد، وعندما منعه متطوعون شبّان من الوصول إلى مقصده، فجّر نفسه في مواقف السيارات، مما أدى إلى استشهاد أربعة من الشباب، هم: عبدالجليل الأربش، محمد الأربش، محمد البن عيسى، وعبدالهادي الهاشم.

جريمة الإرهاب في مسجد الإمام الحسين بالدمام عام 2015
وقد تصّدى السيد السلمان للتعامل مع الواقعة من موقعه الاجتماعي والديني؛ وحرص على خطاب ثابت وواضح، بضبط النفس ورفض الانجرار للفتنة، وحرص على حماية الناس من الانجرار خلف ردود الأفعال العاطفية التي قد تؤدي إلى صدام مجتمعي. وأكد أن الهدف من هذه العمليات هو “تمزيق النسيج الوطني”، وأن الرد الأمثل هو التماسك.
كما شدد في خطاباته ولقاءاته عقب الحادثة على أن الإرهاب لا يستهدف طائفة بعينها، بل يستهدف أمن واستقرار الوطن ككل، مطالباً الجميع (دولةً ومواطنين) بالوقوف صفاً واحداً. ونبّه إلى ضرورة التمسك بمنطق الدولة، إذ على الرغم من هول الفاجعة، كان السيد حريصاً على التنسيق مع الجهات الرسمية، مشدداً على أن حفظ الأمن هو مسؤولية الدولة، مع أهمية التعاون الشعبي في إطار القانون.

استقبال أمير الشرقية والسيد السلمان وأبناء شهداء مسجد الإمام الحسين
وقد بذل جهداً كبيراً في توجيه طاقات الشباب الغاضب نحو العمل التطوعي المنظم والواعي، والابتعاد عن الخطابات المتشنجة.
وكان لجملة المواقف التي اتخذها أثر اجتماعي، شاركه فيه علماء ووجهاء، لصالح تعزيز الوحدة الوطنية، وإفشال مخطط الإرهاب كان يستهدف إحداث شرخ طائفي عميق، لكن “خطاب الحكمة” الذي تبناه السلمان حوّل الفاجعة إلى مناسبة للتلاحم الوطني.

جريمة الإرهاب في مسجد الإمام علي بالقديح عام 2025
واقعة القديح
وقعت العملية الإرهابية في مسجد الإمام الحسين بالدمام، بعد أسبوع كامل من عملية تفجير مسجد الإمام علي، حيث فجّر انتحاري يرتدي حزاماً ناسفاً نفسه وسط المصلين أثناء أداء صلاة الجمعة. وأسفرت العملية عن استشهاد 22 شخصاً وإصابة أكثر من 100 آخرين. وقد تبنى تنظيم داعش الإرهابي العملية حينها.
كانت تلك الفترة عصيبة جداً على المنطقة الشرقية والمملكة بشكل عام، حيث استهدف الإرهاب مساجد المواطنين الشيعة في جمعتين متتاليتين. وأدّت هاتان العمليتان المتتاليتان إلى موجة تضامن وطني واسعة، على مستوى القيادة السعودية التي أكد محاسبة المتورطين، كما برزت مواقف العلماء والوجهاء (مثل السيد علي السلمان) التي ركزت على الوحدة الوطنية ورفض الانقسام الطائفي الذي كان يهدف الإرهاب لإثارته.

للسيد أنشطة خيرية كثيرة
حوزوي.. أكاديمي.. فلسفي
عاش السيد السلمان 91 عاماً، منذ ولادته سنة 1356 إلى وفاته 1447هـ. ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة مراحل، أولاها سنوات النشأة في مسقط رأسه الأحساء، والثانية أمضاها طالباً في النجف، والثالثة هي الأطول، حيث بدأت سنة 1390 بعد عودته من النجف وهو ابن 34 سنة، واستمرّت حتى وفاته مساء أمس.
كان والده السيد ناصر بن السيد هاشم السلمان الموسوي الأحسائي (1291هـ – 1358هـ / 1874م – 1939م)، أحد فقهاء الأحساء، تتلمذ على يد كبار علماء النجف في عصره، بينهم الآخوند الخراساني، والشيخ محمد طه نجف، وشيخ الشريعة الإصفهاني. وبعد عودته إلى مسقط رأسه تصدى للمرجعية العامة بعد عام 1334هـ. وقد عُرف بانفتاحه على مختلف الأطياف المذهبية، وكانت له علاقات ومراسلات مع علماء من مذاهب أخرى.
وكان عالماً أديباً وشاعراً، وله مؤلفات عديدة في الفقه والأصول، بالإضافة إلى ديوان شعر يضم قصائد في رثاء أهل البيت والحكمة والنقد الاجتماعي.
وقد نشأ السيد علي السلمان في مناخٍ دينيٍّ ورع. وعلى الرغم من أن والده توفي عنه وهو في سن مبكرة؛ انتقل إلى النجف الأشرف في الخمسينيات الميلادية، والتحق بـ كلية الفقه وتخرج منها عام 1957م حاملاً البكالوريوس في الفلسفة والعلوم الإسلامية.
كما تتلمذ على يد مراجع وعلماء في حوزة النجف العلمية، وبرز كأستاذ متمكن في أبحاث السطوح والدروس العالية.

في الدمام
بعد عودته إلى المملكة؛ اختار مدينة الدمام، عام 1390هـ، وأسس مسجد الإمام الحسين، في حي العنود بالدمام. وفيها مارس حياة علمية واجتماعية مكثفة، نتج عنها تطوير الحوزة العلمية في الأحساء، وتأسيس حوزة أخرى في الدمام، إضافة إلى أنشطة خيرية أخرى.

تأسيس المركز الصحي في القطيف
محطات إنسانية
لم يقتصر عمل السيد الخيري على النشاط الحوزوي والاجتماعي، بل امتدّ إلى الإسهام إلى جانب الدولة في القطاع الصحي، بينها مركز السيد علي السلمان الطبي الذي تبرع بإنشائه ليكون مركزاً متكاملاً للكشف المبكر عن الأورام في محافظة القطيف، وقد افتتح رسمياً عام 2024، ويعد من أهم المشاريع الصحية التنموية بمبادرة أهلية في المنطقة.
ويُعرف المركز بـ “مركز الفحص الشامل والكشف المبكر عن الأورام”، وتقدم خدمات فحص ما قبل الزواج، الأمراض الوبائية، الأورام، ويقع في حي المجيدية، ويخدم أيضاً كمركز فحص للمستجدين. وقد تم وضع حجر أساسه في عام 2021 كشراكة مجتمعية لإنشاء المركز الصحي. وبُني المشروع في وقت قياسي، وأُلحق به “مركز المهارات الفنية” لتطوير الكوادر الصحية في 2024.

كما يوصف بأنه داعم لأغلب الجمعيات الخيرية والمبادرات الاجتماعية في المنطقة الشرقية، ممارساً دوراً أبوياً في حل النزاعات وتعزيز التكافل الاجتماعي.



