أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب 127] رسالة بلا ضجيج

أملالخميس 22 يناير 2026، 1:17 م
سيرة طالب 127] رسالة بلا ضجيج

الشيخ علي الفرج

في أحد المساءات، قصدتُ صديقًا وفيًّا عاد لتوّه من اغترابٍ طويل في كندا. حسبتُ أن الحديث سيسير على تخوم الدراسة، وبرودة الطقس، وملامح المدن البعيدة، غير أنّ هذا الصديق تبدّلت نبرته، ثم قال:

حين حملتُ قلبي على كتف الغربة، وشددتُ الرحال إلى كندا طلبًا للدراسة الجامعية، كان عليّ أن أعبر أولًا بوابة اللغة. فالتحقتُ بمعهدٍ للإنجليزية، لا ليعلّمني الكلمات، ولكن ليأخذني إلى ما وراء الكلمات.

وقع الاختيار على معهدٍ يهيّئ للطالب سكنًا مع إحدى العائلات الكندية، إيمانًا بأن اللغة تُلتقط من دفء التفاصيل أكثر مما تُحفظ من جفاف القواعد؛ من أحاديث المائدة، وغيرها من تفاصيل الحياة حين تُعاش لا حين تُدرَّس.

كانت العائلة التي سكنت معها مسيحية، كما هو حال أكثر سكان تلك البقعة الجغرافية من كندا. غير أنّ (الدين) هناك بدا كأثرٍ قديم، تحفظه الذاكرة أكثر مما تحياه القلوب. حضوره في حياة الجيل الجديد خافت، لا يظهر إلا في وجوه الشيوخ الذين يملؤون الكنيسة صباح الأحد.

وهكذا كانت تلك الأسرة؛ أمٌّ تواظب على الذهاب إلى الكنيسة وحدها، أو بصحبة جارتها المسنّة، فيما الأبناء غائبون، والأب قد سبقه الغياب إلى رحمة الله منذ أعوام.

بدافعٍ من فضولٍ، ورغبةٍ صادقة في مدّ جسور القرب بين الأنفس، سألتُ الأم أن تصطحبني إلى الكنيسة. لم تتردّد، بل تلقّت طلبي بودٍّ صافٍ، وسرعان ما صار ذلك طقسًا مشتركًا، تناديني له قبل أن تستعدّ للخروج. كنت أدخل الكنيسة حاملاً معي القرآن الكريم، أجلس في زاويةٍ وأقرأ آياته همسًا، بينما ينشغلون هم بقراءة الإنجيل. لم تعترضني نظرة استهجان، ولا همسة استغراب؛ بل كثيرًا ما كانت الجارة العجوز تبتسم لي، وتثني على صنيعي بصدقٍ يشبه الصلاة.

مضت الأيام على هذا النسق، وفي المقابل، تكاثرت الجلسات العائلية التي دار فيها الحديث عن الإسلام، وروح الأخلاق، وعن مساحات المحبة بين الديانتين. كانوا يصغون، ويقارنون، ويتأمّلون. وقد لفت انتباههم ذلك الخيط اليومي المتين الذي يصل المسلم بربه عبر الصلاة والذكر، ثلاث مرات في اليوم، وبتعبير تفصيلي هي خمس صلوات في مقابل صلاتهم الأسبوعية الواحدة، التي يخيّم بعدها فراغ روحي طويل. كانوا يرون في هذا الالتزام الدائم في كل يوم حياةً حقيقية.

وفي بعض الأمسيات، لم تعد الأم تتقدّم لذكر الدعاء قبل الطعام، بل كانت تلتفت إليّ وتطلب مني أن أقرأ دعاء البركة، استحضارًا عما وراء الذكر.

وحين انتهى برنامج اللغة، وانتقلتُ إلى سكني المستقل في نوفمبر، لم تنقطع المودّة، بل ظلّ الحبل موصولًا، لا تشدّه المسافة ولا يرخيه الغياب.

وفي أواخر ديسمبر، حين اقترب عيد الميلاد، رنّ الهاتف بصوت الأم تدعوني لمشاركتهم ليلة العيد. فشاركتهم في الحضور، وكانت الصلاة في الكنيسة تلك الليلة متأخرة، تلامس الحادية عشرة مساءً، ثم يعود الجميع إلى البيت، حيث المائدة العامرة، هناك تُوزَّع الهدايا الصغيرة، المتواضعة في ثمنها، العميقة في معناها.

كان حديث الكنيسة في تلك الليلة عن النبي إبراهيم عليه السلام، عن العطاء، وعن سموّ أخلاق الأنبياء، ولا سيما المسيح عليه السلام. وحين عدنا إلى المنزل، أعدّوا لي وجبة سمك خاصة، مراعاةً لما لا آكله، وقدّموا لي هدية رمزية، شعرت معها أنني لم أعد ضيفًا، بل صرت واحدًا منهم.

كانت تلك التجربة، في واقعيتها، رسالة بلا ضجيج.. رسالة لم تُكتب بخطبة، ولم تُلقَ بجدال، وإنما خُطّت بالسلوك، وبحسن العشرة…