الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب 128] ذاكرة مثقوبة

صُبرةالإثنين 2 فبراير 2026، 3:18 م
سيرة طالب 128] ذاكرة مثقوبة

الشيخ علي الفرج

في غضون عقدين من الزمن، شاء القدر أن أخوض غمار تجربة عصيبة تمثلت في الإصابة بنزيف دماغي حاد، وقد ذكرت هذه المعاناة في السلسلة السابقة من (سيرة طالب).

لقد ترك هذا الابتلاء بصمات واضحة طالت جوانب متعددة من قدراتي المعرفية؛ فتأثرت الذاكرة بشكل ملحوظ، وشمل الضرر وظائف النطق والقدرة على استحضار أسماء الأشياء.

ومن بين تداعيات هذا المرض – وإن كانت محدودة الأثر – ما مسّ بعض القناعات العقائدية، كمسألة وجود الخالق، بيد أن هذه الشكوك سرعان ما تبددت، وتأصل الإيمان في القلب مع أول وهلة من التفكير والمطالعة الواعية.

وقد كان من أبرز ما استأثر تفكيري في تلك الفترة العصيبة هو الغاية من خلق الإنسان، واستكشاف السر العظيم.

لقد كانت تلك المرحلة محفوفة بتشتت أفكاري وضجيج ما أسمع من المعاني المفككة. ووجدْتُ في تدوين خواطري ملاذًا لترسيخها في الذاكرة، فكلما أمسكت بقلمي لأخط ما يجول في خاطري، كنت كمن يلقي سنارته ليصطاد ما يعلق بالذهن ويثبته فيه.

كانت هذه المدوّنات في الأصل مسودات شخصية، لم أقصد بها أحدًا سواي. ومن وحي هذه التجربة، بزغت فكرة تدوينها وتقديمها للقارئ الكريم، وهو كتيب باسم (سرّ الخلق)، عملت على توسيع نطاق هذه الأفكار وجمع شتاتها، لأقدم لك عزيزي المحب هذه التجربة الشخصية التي عشتها، وإنني لأفتح لك قلبي برحابة المودة.

كتيّب (سرّ الخلق)، في مجمله، يدور حول سؤالٍ واحدٍ محوريٍّ هو: لماذا أوجدنا الله في هذا الكون، وزُجَّ بنا في عالم الدنيا؟

قد يبدو الجواب، للوهلة الأولى، بديهيًّا أو مُسلَّمًا به، غير أنّ الوقوف عند هذا السؤال وقفةً فاحصة، يكشف أنّه ليس بالبساطة التي تُتوهَّم.

فقد اختلف العلماء في جوابه، حتى تفرّقت آراؤهم إلى ثمانية مسالك، واختلافهم هذا شاهدٌ على أنّ المسألة لا تُنال بالعجلة، ولا تُحسم بالبداهة، بل تحتاج إلى مراجعةٍ هادئة، ومناقشةٍ رصينة، في رِواقٍ يتّسع للفكرة، وتحت ضوءٍ خافت، حيث يُشرب الشاي ساخنًا، ويترك الضجيج، ويقرأ بعقل صافٍ إذا فَكّر، أنصف، وإذا سأل، ابتغى الحق.

مخالفتي للآخرين

من كلماتي الحكمية التي أستحضرها في هذا السياق: «أنت ما تختلف به عن الآخرين، أمّا ما تتّفق فيه معهم فأنت غيرك».

وانطلاقًا من هذا المعنى، خالفتُ الشائع في ثلاثة مساراتٍ عقديّةٍ أساسيّة، شكّلت ملامح لافتة في هذا الكتيّب، لا رغبةً في المخالفة لذاتها، وإنما طلبًا لما أراه أقرب إلى الدليل القرآني، وأصدق مع العقل:

1- فكرة الولاية التكوينية.

2- لا توجد معجزة عند النبي (ص) إلا القرآن.

3- مقولة: (يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما).

فذكرت هذه الأفكار بأدلة قاطعة ناصعة، ويمكن مراجعتها.