أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عندما نفقد الرضا

أملالثلاثاء 3 فبراير 2026، 7:41 م
عندما نفقد الرضا

*منهال الجلواح

بالأمس قام الأستاذ والصديق إبراهيم العليو، صاحب الابتسامة المتميزة، و”الانتقائي” دائمًا في أطروحاته وتساؤلاته، والهادئ جدًا في حواراته، بنشر مقطع فيديو لإحدى السيدات وهي تتحدث عن غياب سمة الرضا في هذه الأيام، وأنها أصبحت ظاهرة لافتة.

وأرفق بعدها تساؤلات مهمة:

هل فعلاً بدأت صفة الرضا تتلاشى لدى الأجيال؟

ما الأسباب؟

وما الحلول؟

فوددت مشاركتكم وجهة نظري.

«لم يعد الرضا كما كان، كأن الأجيال الجديدة تركض خلف شيء لا يُمسك». ومع مرور الوقت أدركت أن هذه الملاحظة ليست مجرد انطباع عابر، بل مرآة لواقع نعيشه جميعًا.

فرغم وفرة الخيارات، وسهولة الوصول، وتضاعف الإمكانات التي لم يحلم بها من سبقونا، إلا أن شعور الاكتفاء يتراجع، وكأن النفس أصبحت أكثر حساسية للضجيج وأقل قدرة على الإصغاء لطمأنينتها الداخلية.

وهنا يبرز السؤال العميق الذي تفضّل به أستاذي الفاضل:

هل فعلاً بدأت صفة الرضا تتلاشى لدى الأجيال؟

الرضا يا صديقي لم يختفِ، لكنه أصبح أقل حضورًا لدى كثير من الناس اليوم مقارنة بالماضي. ليس لأن الإنسان تغيّر، بل لأن البيئة النفسية والاجتماعية تغيّرت بشكل جذري. المؤثرات تضاعفت، والضجيج الخارجي ارتفع، فأصبح الصوت الداخلي يحتاج وعيًا أكبر ليُسمع.

لماذا تراجع الرضا؟

هناك عدة أسباب، أذكر منها:

1) تسارع الحياة وضغط المقارنة

منصات التواصل خلقت معيارًا غير واقعي للحياة، فكل شخص يرى “أفضل لحظات” الآخرين ويقارنها بـ “أصعب لحظاته” هو.

2) ثقافة الإنجاز المستمر

أصبح النجاح يُقاس بالسرعة لا بالعمق، فأصبح الجيل يشعر أنه متأخر دائمًا مهما حقق من إنجازات.

3) الإشباع الفوري

كل شيء أصبح متاحًا بضغطة زر: طعام، ترفيه، معلومات. وهذا قلّل قدرة النفس على الصبر، وبالتالي قلّ الرضا.

4) تضخم التوقعات

توقعات الأسرة والمجتمع والعمل ارتفعت بشكل غير مسبوق. وعندما ترتفع التوقعات أكثر من الواقع، يتراجع معدل الرضا.

5) ضعف الارتباط الروحي والذهني

كثرة الانشغال قلّلت من لحظات التأمل والشكر، ومن استشعار ما نملك من النعم.

وغياب هذا الاستشعار يجعل الإنجازات بلا طعم.

كيف نستعيد الرضا؟

1) إعادة ضبط التوقعات

ليس كل شيء يجب أن يكون مثاليًا، فالتوقعات الواقعية تصنع رضًا أعمق.

2) ممارسة الامتنان بوعي

كتابة ثلاثة أمور ممتن لها يوميًا تغيّر المزاج الداخلي، واستحضار استشعار النعم في تفاصيل اليوم يعيد تشكيل نظرتنا للحياة.

فالامتنان يعيد العقل إلى ما يملكه، لا ما ينقصه.

3) تقليل المقارنات

المقارنة تسرق الفرح، والتركيز على الرحلة الشخصية يعيد الشعور بالإنجاز.

4) التباطؤ الواعي (Slow Living)

تخصيص وقت للهدوء، والمشي، والتأمل، والقراءة يعيد للنفس توازنها.

5) تعزيز الروابط الإنسانية

العلاقات العميقة تزيد الرضا أكثر من المال والإنجازات، وجلسة صادقة مع شخص نحبه قد تعيد ترتيب الداخل.

6) العودة إلى المعنى

ربط العمل والعلاقات والإنجازات بقيم عليا، فعندما يعرف الإنسان “لماذا”، يصبح “كيف” أسهل.

في النهاية، يبقى الرضا ليس محطة نصل إليها، بل ممارسة يومية نعيد من خلالها ترتيب الداخل وسط فوضى الخارج. هو قرار هادئ بأن نرى ما بين أيدينا قبل أن نطيل النظر إلى ما لدى الآخرين، وأن نسمع صوتنا الداخلي رغم ازدحام الأصوات من حولنا.

ومهما تغيّرت الأجيال وتبدّلت الظروف، سيظل الرضا قيمة تعيد الإنسان إلى جذره الأول: الطمأنينة.

فالضجيج قد يعلو، لكن القلب الذي يعرف طريقه لا يضيع.

ـــــــــــــــــــــــ

*مستشار تدريب وتطوير