سيرة طالب 129] ركلة مؤدبة
![سيرة طالب 129] ركلة مؤدبة](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2026%2F02%2F%D9%85%D8%B1%D8%AC%D8%B9%D9%8A%D8%A9.avif)
الشيخ علي الفرج
صدر في الآونة الأخيرة كتابٌ لي بعنوان “مرجعيّة القرآن”، وهو ـ بصدق وتجرد ـ حصيلة سنوات من عمري العلمي، وأرجو أن يكون من زاد آخرتي عند الله تعالى. ويمكن تلخيص مشروع هذا الكتاب في قاعدة محوريّة واحدة، وهي:
أن يكون القرآن هو المحور الأساس في استنباط الأحكام الشرعيّة، وأن تكون الروايات مبيِّنةً، ومفسرة، ومُعينة، وكاشفة عن المراد القرآني، لا حاكمة عليه ولا مقيِّدة لإطلاقه ولا مخصصة لعمومه.
ومن هنا، فإنّ المشروع يرفض تخصيص الآية القرآنيّة بالرواية، وينفي تقييد الكتاب بالأحاديث، وقد أُقيم هذا المبنى على أدلّةٍ قرآنيّة، وروائيّة، وعقليّة، مبسوطة في مواضعها، تزيد على عشرة أدلّةٍ وبراهين.
وقبل أن يرى الكتاب طريقه إلى الطباعة، عَرَضتُه على عدد من أساتذتي الكرام، وعلى جماعة من طلبة العلم المعروفين بالتحصيل والوجاهة العلميّة؛ فتنوعت مواقفهم: فمنهم من أيّد المشروع وشجّع على تقويته، ومنهم من وقف موقف المتحيّر، لا معارضًا ولا موافقًا، ومنهم من ناقشني في تفاصيله مناقشة علمية محترمة، ومنهم ـ وهو الأشد وقعًا في النفس ـ من ركلني برجله ركلةً مؤدّبة، وإن كانت موجعة.
وقد قال لي هذا الأخير، ناصحًا بلسان المشفق: “أنصحك بضرورة مواصلة الدراسة في الحوزة العلميّة، في قم المقدّسة أو النجف الأشرف، عند أساتذةٍ أكفاء، والتعمّق في هذه المطالب الأصوليّة؛ فإنّ حسن الظنّ بالنفس، وانتهاج الأساليب الأدبيّة في تناول مباحثٍ قد أسهب فيها أعلام الأصول بحثًا وتدقيقًا وتعميقًا، طريقٌ متعثر، مملوء بالعقبات الكؤود.”
ومن هنا، رأيت من اللازم أن أفكّ شفرات هذه الرسالة، ويمكن تلخيصها في عدّة إشكالات:
1- إنّ هذا المشروع مُجهَض في ذاته؛ لأنّك غير قادر حوزويًا على حمل عبئه، وعليك أن تواصل دراستك وتتلمذ عند الأكفاء.
2- إنّ نشر هذا المشروع ناشئٌ عن ابتهاجٍ بالنفس واعتزازٍ بالذات، وهو خُلُق مذموم وصفة مبغوضة.
3- إنّ ما كُتب ليس علمًا، بل زبرجات بأساليب أدبية.
4- إن أعلام علم الأصول قد ناقشوا هذه الأفكار من قبل، ومشروعك مسدود الأبواب.
أقول: إني ـ بأدبٍ واحترام ـ أودّ أن أناقش أستاذي في هذه النقاط:
أوّلًا: لقد درستُ المبادئ في بلدي، ثم في النجف الأشرف، ثم في السيدة زينب (ع)، ثم في قم المقدّسة، ودرّستُ في أثناء دراستي الكتب المعمقة والمعقدة، وقطعت مراحل المقدمات والسطوح وبحوث الخارج عند أساتذةٍ أكفاء، منهم العلّامة السيد منير الخباز (دام توفيقه) مدة مديدة من السنوات.
واستمعتُ إلى محاضرات حوزويّة كثيرة في نقد المسلك الروائي، إلا إنني منذ صغري سمعتُ من العلماء ما يؤكدونه على عظمة القرآن، وكونه دستور الحياة، وحاويًا لجميع الأحكام الشرعيّة. غير أنّ هذا الكلام ـ في الغالب ـ يبقى في حيّز التنظير وفي عالم الافتراضات، وأنا في هذا الكتاب حاولت نقله إلى حيّز التطبيق وعالم الواقعيات.
ثانيًا: لقد نصحني أستاذي بإعادة دراسة علم الأصول، غير أني أرى أنّ هذا العلم بصيغته المتداولة ـ مع ما لا يُنكر فيه من جهد علمي ـ قد تَشَكَّل في واقعه التطبيقي على مسلك روائي، قائم على ارتكاز واضح على الأحاديث، لا على اعتماد أصيل على المنهج القرآني.
ثالثًا: إنّ نشر هذا المشروع لم يكن بدافع ابتهاج الذات ولا تعظيم النفس، والله شاهد على ذلك، وإنّما قصدتُ به التقرّب إلى الله تعالى، وتوعية طلبة العلم، وأرجو أن يكون هذا الكتاب زادي يوم ألقاه.
رابعًا: أما دعوى أنّ الكتاب مجرد زبرجات أدبية، فقد ناقضها واقع الحال؛ إذ إنّ جماعة من المشايخ والعلماء والأساتذة شهدوا بوجود طرح علمي، مثال: مناقشة السيد الخوئي وغيره، وهذا الاختلاف في التقييم كافٍ للدلالة على أنّ أستاذي لم يقرأ الكتاب قراءةً علميّةً متأنّية، بل لعلّه ـ كما أظن ـ قد مسحه نظرًا على عجل، من دون الوقوف على بنيته الاستدلالية.
أخيراً: مرجعية القرآن مشروعٌ رائدٌ أراهن عليه، بوصفه اجتهادًا فاعلًا متقدمًا، يسعى إلى إعادة توجيه الاستنباط نحو منبعه الأصيل. ولا خروج على المألوف طلبًا للغرابة، بل هو محاولة جادّة لإعادة الاعتبار للقرآن بوصفه المرجع الأعلى في منظومة الاستنباط الشرعي، كما أراده الله تعالى، وكما دلّت عليه النصوص القرآنية المحكمة، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) في عرض الحديث على الكتاب، وردّ ما خالفه.
وأما الروايات فهي مبيِّنة، ومفسِّرة، وكاشفة عن المراد الإلهي، لا حاكمة على الكتاب ولا مقيِّدة لإطلاقاته ولا مخصصة لعموماته.



