أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عرّاب الحداثة سعيد السريحي.. وداعاً

محمد السيدالأربعاء 11 فبراير 2026، 7:15 م
عرّاب الحداثة سعيد السريحي.. وداعاً

إكس: صُبرة

بوفاة الدكتور سعيد السريحي اليوم، لا يفقد المشهد الثقافي السعودي مجرد ناقد وأديب، بل يطوي فصلاً كاملاً من الصراع الفكري والتنويري الذي شكل ملامح الوعي في شبه الجزيرة العربية على مدار أربعة عقود.

رحل الرجل الذي لم تكن “الحداثة” عنده ترفاً لغوياً، بل كانت معركة وجودية لتجديد العقل العربي.

في السبعينيات والثمانينيات، حين كان المشهد الثقافي يغط في سكون التقليد، وبعد المرحلة التي أسسها محمد العلي ورفاقه، ظهر سعيد السريحي من الغرب السعودي، كأحد أركان الحداثة (إلى جانب الغذامي والدميني)، ولم يكن السريحي يكتفي بقراءة النص، بل كان يعيد تفكيكه.

لقد كان دوره في تيار الحداثة محورياً من خلال:

تبيئة المناهج الغربية: استطاع السريحي بعبقريته اللغوية أن ينقل مفاهيم “البنيوية” و”التفكيكية” من بطون الكتب الفرنسية والغربية ويغرسها في تربة التراث العربي، فقرأ “أبو تمام” و”المتنبي” بأدوات لم يعهدها النقاد من قبل.

المواجهة الكبرى: كان السريحي في طليعة المثقفين الذين واجهوا تيارات التقليد والصحوة في أوج قوتها. لم ينسحب من المشهد، بل ظل متمسكاً بأن “الحداثة” ليست خروجاً عن الدين أو القيم، بل هي بحث عن “الجوهر الإنساني” في النص.

زلزال “عتبات النص”: الشهادة التي أصبحت أسطورة

تظل قصة دكتوراه السريحي هي الواقعة الأبرز في تاريخ الأكاديميا السعودية، عندما قدم رسالته (عتبات النص) في جامعة أم القرى، قوبلت الرسالة برفضٍ أيديولوجي عنيف أدى إلى حجب الدرجة عنه آنذاك بتهم “الحداثة” والمنهج.

هذه الحادثة لم تكسر السريحي، بل حولته إلى “أيقونة”، صار المثقف الذي يضحي باللقب الأكاديمي في سبيل الإخلاص للمنهج. وبعد عقود، عادت الجامعة لتنصفه، لكن السريحي كان قد نال دكتوراه أرفع من قلوب القراء وتقدير التاريخ.

اللغة كملاذ.. والأسلوب كبصمة

ما ميز السريحي في تيار الحداثة هو “لغته الصعبة الممتنعة”. كان يكتب النقد بلغة تشبه الشعر، ويكتب الصحافة بلغة تشبه الفلسفة. في زاوية (ولكم التحية)، نجح في تحويل المقال اليومي العابر إلى قطعة أدبية تُدرس، محققاً المعادلة الصعبة: أن تكون حداثياً “نخبوياً” في أدواتك، و”شعبياً” في تأثيرك ومتابعة الناس لك.

ريادة المؤسسات والرحلات الفنية

لم ينكفئ السريحي في برج عاجي؛ بل أعاد صياغة العمل الثقافي في نادي جدة الأدبي، وجعله منبراً للسجالات الفكرية الكبرى، وأسس مدرسة صحفية في “عكاظ” تخرج منها جيل من المحررين الثقافيين الذين يحملون شعلة التنوير، وقاد فريق “حياة” وساهم في رعاية الفنون البصرية، مؤمناً بأن الحداثة هي وحدة الفنون والآداب.

غواية الختام

رحل السريحي وترك خلفه “تقليب الحطب” و “غواية الهجاء” و “أيديولوجيا الصحوة”، كتبٌ لم تكن مجرد ورق، بل كانت خرائط طريق لمن أراد فهم كيف تحول المجتمع السعودي من الانغلاق إلى آفاق الرؤية والتحول.

من هو الدكتور سعيد السريحي؟

ووفقاً لما ذكره موقع سعوديبيديا، فقد ولد سعيد مصلح السريحي في (1373هـ/1953م)، هو ناقد وكاتب وصحفي سعودي، عضو هيئة تدريس سابق بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وله إصدارات أدبية ومشاركات في ملتقيات وندوات ثقافية.

حياة سعيد السريحي العلمية

درس سعيد السريحي مرحلة البكالوريوس في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، بقسم اللغة العربية، وتخرج عام 1396هـ/1976م، وتابع دراسته العليا وحصل على درجة الماجستير من جامعة أم القرى بمكة المكرمة عن أطروحة حملت عنوان “شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد” عام 1408هـ/1988م، وفي العام نفسه تقدم بأطروحته للدكتوراه “التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي”، وأوصت لجنة المناقشة بمنحه درجة الدكتوراه بعد مناقشة علنية.

حياة سعيد السريحي العملية

بدأ سعيد السريحي عمله في التعليم العام لمدة سنتين بعد تخرجه من البكالوريوس عام 1396هـ/1967م، انتقل بعدها إلى مكة المكرمة للعمل عضو هيئة تدريس بجامعة أم القرى حتى تقاعد عام 1418هـ/1997م، عمل خلالها متعاونًا في صحيفة عكاظ منذ عام 1404هـ/1984م، وبعد تقاعده من العمل الجامعي تفرغ للعمل في عكاظ، وأصبح مساعدًا لرئيس التحرير ومشرفًا على الأقسام الثقافية فيها، كما نال عضوية مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بجدة خلال الأعوام 1405-1426هـ/1985-2005م.

مؤلفات سعيد السريحي

أصدر سعيد السريحي عددًا من المؤلفات، منها “الكتابة خارج الأقواس” الصادر عن نادي جازان الأدبي عام 1407هـ/1987م، و”تقليب الحطب على النار في لغة السرد”، أصدره النادي الأدبي الثقافي بجدة عام 1414هـ/1994م، و”حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة” وهو كتاب صدر عام 1416هـ/1996م، إضافة إلى كتاب “حركة اللغة الشعرية – مقاربة أولى لشعر المحدثين في العصر العباسي”، من إصدار النادي الأدبي الثقافي بجدة 1420هـ/1999م، و”الشعر باعتباره إحالة” عام 1425هـ/2004م، و”ذباب الوقت: تدوينات على جدار الحجر” سنة 1441هـ/2020م.

مشاركات سعيد السريحي

شارك سعيد السريحي في مهرجانات وندوات علمية وثقافية في النوادي الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون في أنحاء السعودية، وقدم بحوثًا وأوراقًا في ندوات ومؤتمرات عُقدت في عدد من المدن العربية، منها: القاهرة، وأبوظبي، والكويت، والشارقة، وبغداد، وتونس، والجزائر، والدار البيضاء.

وللسريحي تجارب شعرية ألقى بعضها في مناسبات ثقافية، ونشر عددًا منها في مجلات وصحف داخل السعودية وخارجها، كما أن له مشاركات في تحكيم جوائز عدة، منها: جائزة الشاعر محمد الثبيتي، وفي عام 1443هـ/2021م نال عضوية مجلس إدارة أول جمعية مهنية للأدب في السعودية.