أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سريران وحكاية واحدة

محمد السيدالخميس 12 فبراير 2026، 1:00 م
سريران وحكاية واحدة

معصومة المقرقش

في الغرف المشتركة بالمستشفيات، لا تُقاس الأيام بعدد الجرعات، ولا تُختصر الليالي بأصوات الأجهزة وحدها، بل تُنسَج بين سريرين حكاية إنسانية هادئة، يكون أبطالها مرضى جمعتهم المصادفة، ووحّد بينهم الوجع والأمل. هناك، حيث يخفّ الضوء وتثقل الساعات، تولد علاقة خاصة بين المريض والمريض الآخر الذي يشاركه الغرفة؛ علاقة لا تحتاج إلى تعريف، يكفيها شعور مشترك بأن الألم حين يُقتسَم يصبح أخف.

في البداية، قد لا تتجاوز العلاقة نظرة تعاطف أو ابتسامة خجولة، ثم تتسلل الكلمات بهدوء: سؤال عن الحال، تعليق عابر عن طول الليل، أو تنهدة تحمل ما عجز الجسد عن قوله.

ومع مرور الوقت، تتحول الغرفة إلى مساحة إنسانية صغيرة، يتبادل فيها المرضى أحاديثهم كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن. يصبح الكلام وسيلة للراحة، ويغدو الصمت اتفاقًا غير معلن على الاحترام والمواساة.

وتبلغ هذه العلاقة ذروتها حين يكتشف المريضان أنهما من المنطقة أو المدينة نفسها. فجأة تتبدل نبرة الحديث، وتستيقظ الذاكرة؛ أسماء الأحياء، الطرق، البحر أو النخل أو السوق القديم، تعبر الغرفة وتزيح عن الجدران شيئًا من برودتها. يتسامران كابني مكان واحد فرّق بينهما المرض وجمعهما السرير. في تلك اللحظات، لا يعود المستشفى مكانًا غريبًا، بل محطة عابرة في رحلة يعرفان تفاصيلها جيدًا.

كل واحد منهما يهوّن على الآخر ألمه بطريقته الخاصة؛ كلمة صادقة، دعابة خفيفة، أو مشاركة تجربة علاج مرّ بها أحدهما من قبل، قد تكون أبلغ أثرًا من كثير من المسكنات. فحين يأتي التطمين من شخص يشاركك الوجع ذاته، يكون أعمق وقعًا وأكثر صدقًا.

وأحيانًا، تمتد هذه العلاقة إلى ما هو أبسط وأشد إنسانية: مشاركة الطعام. قطعة فاكهة تُقسَم على سريرين، كوب شاي يُقدَّم بمحبة، أو وجبة خفيفة يتقاسمها المريضان حين يسمح الطبيب بذلك. في هذا الفعل البسيط تختصر الإنسانية معناها؛ فمشاركة الطعام ليست إشباعًا للجسد فحسب، بل رسالة خفية تقول: لسنا وحدنا هنا.

ويزداد المشهد دفئًا حين يكون مع أحد المرضى مرافق؛ لا يقتصر حضوره على رعاية مريضه فقط، بل يتسع ليشمل المريض الآخر. يهرع لمساعدته إن احتاج، يناوله الطعام، يستدعي التمريض، أو يطمئنه بكلمة صادقة في لحظة قلق. فيغدو المرافق، دون قصد، حارسًا للغرفة كلها، يرعى الجميع بذات الاهتمام، وكأن المرضى إخوة جمعهم ظرف واحد.

في تلك الغرفة الصغيرة، تتجلى قيم الرحمة والتكافل بأبهى صورها. قد ينسى المريض لاحقًا تفاصيل العلاج وأسماء الأدوية، لكنه غالبًا لا ينسى رفيق السرير الذي شاركه الحديث واللقمة، ولا المرافق الذي مدّ يده دون تردد.

فالعلاقة بين المرضى داخل الغرف المشتركة ليست تفصيلًا هامشيًا في تجربة الاستشفاء، بل وجهًا إنسانيًا عميقًا للعلاج، يداوي الروح قبل الجسد، ويثبت أن الشفاء يبدأ أحيانًا بقربٍ صادق، يعجز عنه الدواء.