أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هادي رسول في “عبور نهر هيراقليطس”.. المجاز أداةً معرفية

محرر صُبرةالسبت 14 فبراير 2026، 1:22 م
هادي رسول في “عبور نهر هيراقليطس”.. المجاز أداةً معرفية

محمد المخرق

ينطلق كتاب (عبور نهر هيراقليطس) من تجربة القراءة ذاتها. يدخل القارئ نصاً يبدو، في ظاهره، بحثا في العلاقة بين الفيزياء والشعر، ثم يتكشف تدريجياً أن القضية أعمق من مقارنة مجالين معرفيين.

فالمسألة تتعلق بكيفية إدراك الإنسان للعالم قبل أن تتعلق بتفسيره. يتحول الكتاب بذلك من دراسة في موضوع إلى تأمل في شروط الفهم نفسه.

يمكن وضع هذا المشروع ضمن أفق معرفي أوسع نشأ بعد تحولات القرن العشرين العلمية. فالنسبية وميكانيكا الكم لم تُضعف قدرة العلم على المعرفة، لكنها زعزعت فكرة الواقع القابل للتمثيل الحسي المباشر.

أصبح العالم قابلاً للحساب أكثر مما هو قابل للتصور، وهنا ظهرت الحاجة الى الصورة والسرد لا بوصفهما بديلا عن العلم، بل وسيطاً لفهم نتائجه. من هذا المنظور لا ينافس الأدب العلم، بل يجاوره عند مستوى الإدراك.

يحاول هادي رسول إظهار أن العلاقة بين العلم والأدب ليست علاقة تفسير متبادل. فالعلم لا يشرح الأدب، والأدب لا يترجم العلم. كلاهما يعمل بوصفه نموذجاً تمثيلياً للعالم. فالمعرفة الإنسانية لا تصل إلى الواقع مباشرة، بل عبر بناء صور ونماذج تسمح للعقل بالتعامل مع ما يتجاوز الخبرة المباشرة.

عند هذه النقطة يصبح المجاز أداة إدراكية، لا عنصراً بلاغياً.

يرى المؤلف أن الصورة لا تؤدي وظيفة التزيين اللغوي، بل تنظم إدراك الواقع. لذلك لا تحضر المفاهيم الفيزيائية في الكتاب بوصفها معلومات علمية، وإنما كنماذج تساعد على فهم اشتغال الصورة الشعرية والإيقاع والسرد. ينتقل البحث من علاقة العلم بالأدب إلى سؤال آلية الفهم الإنساني.

يتقاطع هذا التصور مع أفق غاستون باشلار، حيث تتقدم الصورة الذهنية على المفهوم والتجربة معا. فالنموذج العلمي يظهر أولا في هيئة تصور يوجه الملاحظة قبل اختبارها. ويمكن استدعاء مثال أينشتاين تصور الجاذبية كانحناء في الزمكان بدأ كنموذج تصوري سابق للتجربة، ثم قاد الى صياغتها واختبارها. في هذه اللحظة تبدو الصورة أداة لتنظيم الفهم.

غير أن التقدم في القراءة يكشف طبقة أخرى. فالكتاب يعلن المجاز موضوعا، بينما يقود تحليل المجاز الى ما يسبقه. فالمجاز صياغة لغوية، أما الفكرة التي يصوغها فتتشكل قبل اللغة في هيئة صورة ذهنية. لا يمكن فهم عبارة (انحناء الزمكان) دون تصور سابق لحركة أو سطح أو امتداد. أي أن التخيل يسبق المجاز ويجعل اللغة قادرة على العمل. عند هذه النقطة يتضح أن المجاز ليس مصدر الصورة بل ترجمتها.

هنا يظهر الفرق الحاسم الذي يظل ضمنيا في الكتاب. فالصورة الذهنية تعمل في العلم والشعر معا، لكن مصيرها يختلف. في الشعر يولّد الخيال تجربة معنى تتسع بتعدد القراءات، أما في العلم فيولد فرضية قابلة للاختبار. البداية مشتركة، لكن المسار يتباعد: الشعر يحافظ على اتساع الدلالة، والعلم يقيدها بالتحقق التجريبي.

ولهذا لا يقوم العلم على المجاز ذاته. فالنموذج العلمي لا يثبت صدقه بقدرته على الإيحاء، بل بقدرته على التنبؤ والاختبار. أما المجاز فيجعل الفكرة قابلة للتصور، إنه يتيح الفهم، لكنه لا يمنح المعرفة بمعناها الصارم. المعرفة العلمية تُبنى عبر الصياغة الرياضية والتجربة، ثم تحتاج إلى اللغة لكي تصبح قابلة للإدراك.

تكشف الفيزياء الحديثة مفارقة لافتة: كلما ازدادت دقة الوصف الرياضي ازداد احتياج الفهم الإنساني الى الصورة. فمصطلحات مثل (أفق الحدث ) أو (التشابك الكمي) أو (تمدد الكون) لا تصف ظواهر يمكن تصورها مباشرة، بل تقدم تقريبا حسّيا لنماذج رياضية مجردة. هنا لا تعمل الاستعارة كزخرفة لغوية، بل كوسيط إدراكي يسمح بتخيل ما لا يمكن تخيله مباشرة.

من هذا المنظور يجاور الأدب المعرفة العلمية في آليتها الأعمق .

إذ يقوم كلاهما بتحويل المجهول إلى صورة قابلة للفهم. غير أن الاشتراك يقع عند مستوى الإدراك لا عند مستوى البرهان. العلم يختبر، والأدب يؤوّل، والصورة تعمل في الحقلين بوظيفتين مختلفتين.

اللغة، بهذا المعنى، ليست شرط وجود الواقع، بل شرط ظهوره للوعي الإنساني. فهي لا تخلق الحقيقة العلمية، لكنها تمنحها صورة يمكن للعقل الإقامة فيها.

المعرفة تُكتشف بوسائل رياضية وتجريبية، أما الفهم فيتحقق عندما تتحول تلك المعرفة إلى تمثيل قابل للإدراك.

بهذا يمكن فهم (العبور) في العنوان بوصفه انتقالا في الإدراك لا في المعرفة. فالعلم لا يبدأ من المجاز، بل من مشكلة نظرية أو ملاحظة تجريبية، ثم تأتي الصورة لتجعل ما اكتُشف قابلا للتصور الإنساني. المجاز لا ينتج الحقيقة ولا يؤسسها، بل يتيح للذهن الإقامة فيها.

من هنا لا يبيّن الكتاب كيف تتولد المعرفة، بل كيف تصبح قابلة للفهم. فالصورة لا تقود إلى البرهان، وإنما تجعل البرهان ممكن التخيل. ولهذا فالمجاز ليس أصل المعرفة ولا شرطها، بل وسيطها الإدراكي: الأداة التي تمكّن الإنسان من رؤية ما عرفه قبل أن يستطيع قوله.