أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب 130] أي الطريقين أقرب، الدعاء أم الزيارة؟

محمد السيدالثلاثاء 17 فبراير 2026، 11:25 ص
سيرة طالب 130] أي الطريقين أقرب، الدعاء أم الزيارة؟

الشيخ علي الفرج

2 / 1

قبل أن أخوض غمار طلب العلم، وفي حدود سنِّ الثامنة عشرة على وجه التحديد، كنتُ أواظب على الجلوس في مجلس عالمٍ متميّز (حفظه الله)، أرتشف من معينه ارتشافَ الظمآن.

وفي يومٍ من تلك الأيام الجميلة، كنّا جلوسًا في مجلسه، والناس يتقاطرون بالأسئلة وهو يفيض عليهم بالإجابات، فقام بعض الحاضرين بسؤالٍ يجمع بين البعد العلمي والواقع العملي، حاصله: إنّا نُحيي ليلة الجمعة بالجمع بين دعاء كميل والزيارة الجامعة، غير أنّ هذا الجمع لا يتيسر لنا في كل أسبوع، فإذا دار الأمر بين الاقتصار على أحدهما، فأيهما أولى وأرجح عند الله تعالى: دعاء كميل أم الزيارة الجامعة؟

فأطرق الشيخ برهةً في ميزان الأمرين، ثم أجاب بكلمة: الزيارة الجامعة.

وقد نقلتُ هذه الحكاية في بعض مجالس المؤمنين، فسمعت من بعضهم تقريرًا جازمًا: لا قياس بين الدعاء والزيارة، فإنّ الزيارة أرفع مقامًا من الدعاء بآلاف الأضعاف.

أقول: غير أنّ النظرة المنهجية ـ إذا انطلق من أصل مرجعيّة القرآن وتقديمه على سائر الأدلّة الروائية ـ يفضي إلى نتيجة مغايرةٍ في الجملة؛ إذ يظهر أنّ الدعاء، بما هو خطاب مباشر من العبد إلى ربّه، أقرب إلى روح العبودية وأولى بالتقديم، بل هو الأصل الذي تُقاس عليه سائر القُربات؛ فإنّ مخاطبة الخالق تتقدّم رتبةً على مخاطبة المخلوق، ويكاد الثاني يتلاشى عند المقايسة بالأول.

ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، حيث جعل الدعاء مدار ومحور العناية الخاصة.

وأمّا فضل الزيارة وعلوّ شأنها، فالمستند فيه ـ بحسب الظاهر ـ إنما هو النصوص الروائية الواردة في فضائل زيارة النبي (ص) والأئمّة (ع)، لا ظهور الآيات القرآنية في حدّ نفسها.

وقد يقال إننا نستدل للزيارة لإثبات قرآني بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، بدعوى أنّ المجيء إلى النبي يعمّ حال حياته وبعد وفاته، فيكون أصل الزيارة مستفادًا من القرآن.

إلّا أنّ هذا التقريب ـ عند التدقيق في السياق ـ بعيد عن قرائن الزيارات، فإنّ المتأمّل في السياق التام يلحظ أنّ الخطاب واردٌ في مقام تثبيت ولاية النبي الحاكميّة والقضائيّة، ووجوب الرجوع إليه في الخصومات، وأنّ الآيات تتحدّث عن التحاكم إليه في حياته بما هو رسول حاكم مفترض الطاعة، لا عن مجرد زيارته بعد وفاته. وقد عقّب سبحانه بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وهو نصٌّ صريح في جهة التحكيم والفصل في النزاع.

وعليه، يتّضح أنّ الدعاء ـ وفق ميزان القرآن ـ أصلٌ محوريّ في حقيقة العبودية، وأنّ الزيارة ـ وإن كانت شعيرةً ولائيّةً جليلة القدر ثابتةً بالنصوص ـ لا تتقدّم رتبة على الخطاب القرآني المباشر، بل تبقى في إطارها الذي يُستضاء فيه بالرواية، ويرتّب ضمن سلّم الأولويات الذي رسمه القرآن.