اليوم الأخير في “سوق الخميس”

القطيف: جمال أبو الرحي
لم يكن “سوق الخميس” مجرد مساحة للبيع والشراء، بل علامة زمنية في حياة أهالي القطيف؛ موعداً أسبوعياً تضبط عليه الزيارات، وتتشكل فيه العلاقات، وتُروى عبره تفاصيل الحياة اليومية. ومع إخلائه اليوم، لا يغيب مكان فقط، بل تتوقف عادة اجتماعية عمرها سنوات، انتظاراً لولادة نسخة جديدة تحفظ الروح وتغيّر الشكل.
أسدل اليوم الستار على آخر مشاهد “سوق الخميس” التاريخي في القطيف، بعد إخلائه بالكامل من الباعة وبضائعهم، تمهيداً لبدء المرحلة الجديدة من تطويره وبنائه بحلّة حديثة تحافظ على هويته وتراثه.
اسم باقٍ
السوق، الذي يعرفه أهالي القطيف قديماً وحديثاً باسم “سوق الخميس”، رغم تحوّل نشاطه في السنوات الأخيرة إلى يوم السبت، ظل اسماً راسخاً في الذاكرة الشعبية، وارتبط بحكايات الناس ولقاءاتهم ورزقهم الأسبوعي.
ورصدت عدسة “صُبرة”، في هذا اليوم الأخير، مشاهد السوق وقد خلا من حركته المعتادة؛ وبدا المكان كأطلال صامتة بعد أن كان يعجّ بالحياة: نداءات الباعة، ضحكات المتسوقين، أحاديث الروّاد، وروائح الخضار والبهارات.

ولم يكن الإخلاء مجرد إغلاق مواقع بيع، بل لحظة وداع ثقيلة على قلوب كثيرين، خاصةً من اعتادوا ارتياد السوق يومياً؛ لا للتسوق فقط، بل للجلوس وتبادل الأحاديث في جو اجتماعي دافئ. بعضهم شعر اليوم وكأنه يودّع عزيزاً؛ فالسوق كان مجلساً مفتوحاً قبل أن يكون مكاناً للبيع والشراء.

ويأتي هذا الإغلاق متزامناً مع أول أيام شهر رمضان المبارك، وهو الشهر الذي كان يشهد فيه السوق نشاطاً مضاعفاً؛ إذ اعتاد الأهالي التبضع منه استعداداً للإفطار والسحور. وكانت حركته في رمضان تحمل طابعاً مختلفاً: ازدحام محبب، ووجوه مألوفة، واستعدادات خاصة للشهر الكريم. لكن رمضان هذا العام بدأ والسوق يغيب عن المشهد لأول مرة منذ سنوات طويلة.

ومع حلول السبت القادم، سيأتي يوم اعتاده الناس موعداً للسوق… لكنه سيمر هذه المرة دون أن تُفتح البسطات، أو تُنصب المظلات، أو تُسمع أصوات المنادين: يوم سبتٍ بلا سوق في القطيف.
ويأتي الإخلاء تمهيداً لانطلاق مشروع إعادة بناء السوق بقيادة المستثمر لؤي الخنيزي، وفق التصور المعلن، لإنشاء سوق حديث يراعي النمط العمراني القطيفي ويحفظ روح المكان، مع تطوير شامل للبنية والخدمات، على أن يستغرق التنفيذ ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات.
انتهت مرحلة..لكن ذاكرة “سوق الخميس” ستبقى حاضرة في رمضان، وفي كل سبت، حتى يعود بحلّته الجديدة.



