أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب ١٣١] أجمل لحظات الاعتكاف

صُبرةالجمعة 13 مارس 2026، 8:21 م
سيرة طالب ١٣١] أجمل لحظات الاعتكاف

الشيخ علي الفرج

في عام من الأعوام وفي شهر رمضان بالخصوص عُدنا إلى الاعتكاف للمرّة الثانية في مسجد الإمام علي (ع) في القديح؛ تلك التجربة الروحية التي ينسلخ فيها الإنسان – ولو أيامًا معدودة – عن ضجيج الحياة .. وركن الاعتكاف الركن الوادع من الأرض الذي تتخفّف فيه الأرواح من أثقال الدنيا .. اجتمعنا يومئذٍ – نحن ثلّةً من المؤمنين – أيّامًا يملؤها الذكر وتظلّلها التوبة.

ومن بين المعتكفين كان شابّ هادئ الملامح، عرّفنا بنفسه، فعلمنا أنّه من أهل الأحساء، مستقرّ في إحدى قراها. مضى اليوم الأوّل من الاعتكاف، وكانت النفوس قد بدأت تتآلف بسكون المسجد. عندها التفتُّ إليه، وسألته سؤالًا رأيتُه مهمًّا:

قلت له: هل أنت مقيمٌ في الأحساء ومستقرٌّ فيها؟

قال: نعم.

قلت: كيف تصوم وأنت مسافر الآن، وذلك إن المسافة الشرعية بين الأحساء إلى القطيف بعيدة.

فأجاب ببساطة: لأني أريد الاعتكاف، وقلتم من يعتكف يلزمه الصوم.

عندها أخذت أشرح له بهدوء: إنّك – بحسب الفرض – تُعدّ مسافرًا، وعلى رأي المراجع لا يصحّ الصوم من المسافر إلا بشروط ليست متوفرة في شخصك، فإذا لم يصحّ الصوم لم يصحّ الاعتكاف. ثم قلت له: لكن ثمّة مخرجًا شرعيًّا يفتح لك باب الاستمرار؛ وهو أن تنذر لله تعالى صوم هذه الأيّام الثلاثة، فتقول: «لله عليَّ أن أصوم هذه الأيّام الثلاثة»، فإذا انعقد النذر صحّ الصوم، وصحّ معه الاعتكاف.

غير أنّي بيّنت له أيضًا ما يترتّب على ذلك؛ فقد ينتهي برنامج المعتكفين قبل تمام المدّة، فنغادر نحن المسجد، ويبقى عليه – إن أراد الوفاء بنذره وإتمام اعتكافه – أن يمكث في المسجد وحده إلى نهاية الأيّام الثلاثة.

استمع الشابّ الأحسائي إلى الحديث، وعلى ملامح وجهه أمارات القبول، فلم يتردّد، بل بادر إلى النذر بقلب مطمئن.

ثم مضى في اعتكافه، وطلبتُ من أحد الإخوة من الكوادر أن يرعاه، ويتفقّد حاله، ويهيّئ له ما يحتاج إليه في السحور.

ومضت الأيّام هادئة كأنّها تسير على رؤوس الأصابع، حتى جاء وقت الخروج من المسجد مع المعتكفين. خرجنا نحن بعد انقضاء البرنامج، وبقي الشاب وحده، حتى أتمّ اعتكافه.

وحين التقاه ذلك الأخ من الكوادر بعد خروجه، وقال له كلمات ظلّت أصداؤها عالقة في النفس:

«أتصدّق ما أقول؟ إنّ أجمل لحظات الاعتكاف التي عشتها كانت ذلك اليوم الذي بقيتُ فيه وحدي في المسجد. شعرتُ يومها بقرب خاص من الله، قربٍ لا يشبه شيئًا مما عرفته من قبل. ما أجمل تلك اللحظات! لقد منحتني هدية ثمينة… أن أكون في حرم الله، فلا أرى أحدًا سواه».