أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الحزام: حين تصبح القرية طريقة في إدراك العالم

محمد السيدالأحد 5 أبريل 2026، 3:02 م
الحزام: حين تصبح القرية طريقة في إدراك العالم

محمد المخرق

رواية “الحزام” لأحمد أبو دهمان تضع القارئ داخل طريقة كاملة في رؤية العالم، حيث تتحول القرية في جنوب السعودية من مكان إلى عدسة تُرى من خلالها الأشياء.

ولهذا فإن أكثر ما تقع فيه كثير من القراءات هو أنها تتعامل مع الرواية كما لو كانت نصاً عن الحنين أو وثيقة عن حياة ريفية اندثرت. كل هذا حاضر فيها، لكنه ليس ما يجعلها استثنائية. ما يجعل الرواية استثنائية أن هذه العدسة لا تظهر في الأفكار وحدها، وإنما في الطريقة التي تُبنى بها الجملة نفسها.

نحن لا ننظر إلى القرية من الخارج؛ نحن نُجبر على النظر إلى العالم بعينيها. منذ الصفحات الأولى لا يبدو العالم خاضعاً لذلك المنطق الحديث الذي يفصل بين الإنسان والطبيعة، بين الواقع والأسطورة، بين الكلمة والشيء. غير أن هذه الفكرة لا تظهر في الرواية بوصفها فكرة مجردة، وإنما من خلال الطريقة التي تُبنى بها الجملة نفسها.

في أحد أشهر مقاطع الرواية يكتب أحمد أبو دهمان: “(كان المطر يصعد من الوادي إلى السماء)”. هذه ليست صورة شاعرية عابرة، ولا مجرد مبالغة في وصف الجبل. الجملة تقوم على قلب الاتجاه الطبيعي للأشياء: المطر الذي يفترض أن ينزل يصبح شيئاً يرتفع. ما يحدث هنا أن الراوي يصف العالم كما بدا له في طفولته، لا كما استقر لاحقاً في وعيه، حين كان يقف في قرية عالية ويرى الضباب المتصاعد من السفح. الطفل لا يمتلك بعدُ المفاهيم التي تسمح له بأن يفرّق بين المطر والضباب، بين ما يراه وما يعرفه. ولهذا لا تبدو الجملة استعارة يصنعها الراوي بعد سنوات، بقدر ما تبدو الطريقة الأولى التي رأى بها العالم حين كان طفلاً.

والأمر نفسه ينطبق على الجبل. الرواية لا تقول لنا ببساطة إن الجبل مهم، وإنما تمنحه خصائص الكائن الحي. الجبل (ينتظر)، و(يصمت)، و(ينظر إلى القرية). هنا لا يتحول الجبل إلى رمز فحسب، اللغة نفسها تنقل إليه أفعال البشر. هذا النقل هو الذي يجعل الطبيعة في الرواية غير منفصلة عن الإنسان. ليست هناك بيئة تحيط بالشخصيات، وإنما عالم واحد تتحرك فيه الأشياء والناس داخل المنطق نفسه.

ويمكن أن يتضح هذا أكثر إذا قارنا قرية “الحزام” بالقرية في “مدام بوفاري”. في رواية غوستاف فلوبير تبقى القرية فضاءً خارجياً يضغط على البطلة ويكشف ضيق حياتها. قرية يونفيل ليست الطريقة التي ترى بها إيما بوفاري العالم؛ هي العالم الذي يحاصرها ويجعلها أكثر اختناقاً. كل شيء فيها يبدو ثابتاً، ثقيلاً، ومشبعاً بالرتابة. ولهذا تحلم إيما دائماً بالخروج منها.

أما في “الحزام”، فالقرية ليست المكان الذي يريد الراوي أن يهرب منه، وإنما المكان الذي يستمر في النظر من خلاله إلى العالم كله. إنها لا تضيق العالم، وإنما تعيد تشكيله. ولهذا لا يعود الراوي إلى القرية لكي يتخلص منها أو يفسرها، وإنما لأنه لا يستطيع أن يرى الأشياء إلا من ذلك الموضع الأول الذي تكوّن فيه وعيه. إنها الموضع الأول الذي تعلّم منه الراوي كيف يرى الأشياء.

ولهذا فإن السؤال الأدق الذي ينبغي أن يُطرح على الرواية ليس: لماذا يبدو العالم فيها غريباً ومعلّقاً بين الأرض والسماء؟ ولكن: كيف تصنع اللغة هذا الإحساس؟ والجواب أن الرواية تبني عالمها من خلال سلسلة متكررة من الانقلابات اللغوية. الليل يظهر في الرواية قوةً تملأ البيت، والجبل حضوراً يراقب القرية. أما الأشياء، فتبدو على الصورة التي يشعر بها الطفل وهو يراها للمرة الأولى.

وهنا تحديداً تأتي أهمية الذاكرة. لا يبدو الراوي موضع شك لأنه يختلق ما لم يحدث، وإنما لأن الذاكرة نفسها تعيد تشكيل ما حدث. بعض الأشياء تكبر حتى تصبح أكبر من حجمها الحقيقي، وبعضها الآخر يتراجع إلى الهامش أو يختفي. ولهذا يبدو الأب أكثر مهابة، والليل أكثر ظلمة، والجبل أكثر حياة.

وما يؤكد ذلك أن شكل الرواية نفسه يقوم على منطق الذاكرة، لا على منطق السرد التقليدي. الأحداث لا تتقدم في خط مستقيم، هي تظهر في مقاطع قصيرة، وصور متفرقة، ومشاهد يعود إليها الراوي أكثر من مرة من زوايا مختلفة. ولهذا تبدو الشخصيات ناقصة أحياناً، أو أقرب إلى لمحات سريعة منها إلى شخصيات مكتملة. الأب لا يظهر إلا حين يدخل البيت أو يفرض صمته، والأم لا تظهر إلا في اللحظات التي تمنح الطفل الطمأنينة. وهذا ليس ضعفاً في بناء الشخصيات، هو نتيجة لطريقة الرواية في النظر. فالطفل لا يرى الناس بوصفهم ذواتاً معقدة لها تاريخها الداخلي، وإنما بوصفهم آثاراً تتركها الأشياء في نفسه. ولهذا تبني الرواية شخصياتها من الانطباع الذي يبقى منها في الذاكرة، ومن الصورة التي تتركها في شعور الطفل.

الأب في “الحزام” يظهر في صورة هيبة أكثر من ظهوره شخصية روائية مكتملة. حضوره يتشكل عبر الأثر الذي يتركه في المكان، وعبر الصمت الذي يرافق دخوله إلى البيت. يكفي أن يعود حتى (يسكت البيت). بهذه الجملة الصغيرة تكشف الرواية طريقتها: صورة الأب تتكون من وقع حضوره في ذاكرة الطفل، ومن ذلك الصمت الذي يملأ المكان. وفي الوقت نفسه، تكشف هذه الطريقة حدّ الرواية أيضاً، إذ يبقى الأب داخل هذه الصورة، من غير أن يمتد لحياة أوسع أو تعقيد يتجاوزها.

والأمر نفسه ينطبق على الأم. حضورها قوي، ويتشكل في الذاكرة بوصفه إحساساً قبل أن يكون شخصية. تبقى منها رائحة الخبز، وضوء النار، ويدها التي تمتد في الظلام لتطمئن الطفل، أكثر مما تبقى ملامحها أو كلماتها. وحين يقول الراوي، في أحد المقاطع، إن يد أمه كانت (تتحسس وجهي في الظلام كما لو أنها تتأكد أنني ما زلت هناك)، فإن الرواية تكشف طريقتها بوضوح. الأم تظهر في الذاكرة بوصفها الإحساس الأول بالأمان، وحضوراً يسبق ماضيها وصوتها وحياتها الخاصة. ولهذا لا تبقى في الذاكرة ملامحها بقدر ما تبقى تلك اليد التي تجعل الليل أقل خوفاً.

ولهذا يتحول سؤال الرواية من: كيف كانت القرية؟ إلى الطريقة التي يستعيدها بها الراوي، وإلى السبب الذي يجعل الذاكرة تعود إليها وأن يتذكرها على هذا النحو. ربما لأن الماضي، حين يصبح بعيداً، يتحول إلى شيء نعيد اختراعه كي نستطيع احتماله. والراوي يعود إلى طفولته بحثاً عن معنى ما بقي فيه من تلك التجربة، وعن السبب الذي جعله تستمر بهذه القوة بعد كل تلك السنوات.

ومع ذلك، تظل هناك لحظات تبتعد فيها اللغة قليلاً عن العالم المحسوس الذي تبنيه الرواية في أفضل صفحاتها. يقول الراوي: “(روت لي أمي يوماً أن قريتنا كانت في البدء أغنية فريدة، تماماً كالشمس والقمر، وأن الكلمات التي يمنحها الناس طاقة شعرية تطير كالفراشات..)”. هنا تميل الرواية إلى مجاز أكثر تجريداً، فتبتعد قليلاً عن ذلك العالم المحسوس الذي تمنحها الرواية فيه أكبر قوتها. تصبح القرية “أغنية” والكلمات “فراشات” من غير أن تستند الصورة إلى تفصيل محسوس. ومع ذلك، فإن الرواية تستعيد قوتها سريعاً حين تعود إلى برد الجبل، ورائحة البيت، وصوت الأب في الليل، واليد التي تمتد في الظلام. هناك يكتسب المجاز قوته، لأنه يستند إلى شيء يمكن للقارئ أن يراه أو يسمعه أو يلمسه.

في النهاية، لا تبقى في الذاكرة من “الحزام” القرية نفسها، ولا البيوت، ولا الشخصيات، بقدر ما تبقى تلك الصورة الأولى: المطر الذي (يصعد) من الوادي إلى السماء. صورة تبدو، في البداية، خطأ في النظر. ثم نكتشف أنها ليست خطأ، وإنما الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها طفل يقف على جبل أن يرى العالم.

بعد “الحزام”، لا يعود القارئ واثقاً أن الأشياء تُرى كما هي. ربما تُرى دائماً من ذلك المكان الأول الذي وقفنا فيه، مرة، ونحن أطفال.