بوشهر.. القلق الروسي تطور إلى إجلاء الرعايا

متابعات: صُبرة
في تطور يعكس حساسية المرحلة الراهنة في المنطقة، كشفت تقارير إعلامية روسية أن روسيا تعتزم طلب ضمانات من الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف إطلاق النار مؤقتاً، بهدف تأمين إجلاء المزيد من موظفيها من محطة بوشهر للطاقة النووية جنوب إيران، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من اقتراب العمليات العسكرية من منشأة نووية حساسة.
ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع تقارير عن سقوط مقذوفات في محيط المحطة، دون تسجيل أضرار مباشرة داخلها، غير أن الحادثة اعتُبرت مؤشراً مقلقاً على اقتراب دائرة الخطر من أحد أكثر المواقع حساسية في المنطقة.
إجلاء وتحذيرات
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام روسية، بدأت الجهات المعنية، وعلى رأسها شركة “روساتوم”، اتخاذ إجراءات لإجلاء عائلات بعض الخبراء والموظفين، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الكوادر الفنية اللازمة لتشغيل المفاعل.
وتؤكد موسكو أن سلامة مواطنيها تمثل أولوية، محذّرة من أن أي استهداف مباشر أو غير مباشر للمحطة قد يؤدي إلى “عواقب كارثية”، في إشارة إلى مخاطر التسرب الإشعاعي الذي قد يمتد تأثيره إلى نطاق إقليمي واسع، خاصة في منطقة الخليج.
شديدة الحساسية
وتُعد محطة بوشهر المفاعل النووي الوحيد العامل في إيران لإنتاج الكهرباء، بقدرة تصل إلى نحو ألف ميغاواط، وهي منشأة مدنية تعتمد على مفاعل من طراز روسي (VVER) يعمل بالماء المضغوط.
ورغم طابعها السلمي، فإن خصوصية الموقع تكمن في كونه منشأة نووية عاملة تحتوي على وقود نووي، وتقع على ساحل الخليج العربي، ما يزيد من مخاطر التلوث البحري في حال وقوع حادث
وتضم خبراء أجانب، في مقدمتهم روس.
وهذه العوامل مجتمعة تجعل أي اقتراب عسكري منها محفوفاً بمخاطر تتجاوز الحسابات التقليدية.
مشروع طويل ومعقّد
تعود جذور مشروع بوشهر إلى سبعينيات القرن الماضي، حين بدأت إيران، في عهد الشاه، تنفيذ برنامج نووي مدني بالتعاون مع شركات ألمانية. إلا أن المشروع توقف عقب الثورة الإيرانية، قبل أن يتعرض الموقع لأضرار خلال الحرب العراقية–الإيرانية.
وفي تسعينيات القرن الماضي، أعادت روسيا إحياء المشروع، وتولت استكمال بناء المفاعل وتشغيله، ليبدأ العمل الفعلي بعد عقود من التأخير، في واحد من أطول المشاريع النووية زمناً في العصر الحديث.
ومنذ ذلك الحين، حافظت موسكو على دور محوري في تشغيل المحطة، بما في ذلك تزويدها بالوقود النووي واستعادة الوقود المستهلك، في إطار ترتيبات تهدف إلى الحد من مخاطر الانتشار النووي.
مخاوف من سيناريو كارثي
ويحذر خبراء من أن استهداف محطة بوشهر، حتى بشكل غير مباشر، قد يؤدي إلى سيناريوهات خطرة، تشمل حدوث تسرب إشعاعي واسع النطاق، وتلوث مياه الخليج وتأثيره على الدول المجاورة، إضافة إلى تداعيات بيئية واقتصادية طويلة الأمد.
كما أن وجود خبراء روس داخل المنشأة يضيف بعداً سياسياً حساساً، إذ قد يؤدي أي ضرر يلحق بهم إلى توسيع دائرة التوتر وإدخال أطراف إضافية في الصراع.
بين الردع والتصعيد
ورغم أن منشآت نووية مدنية تُعد، من حيث المبدأ، خارج نطاق الاستهداف العسكري، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى اقتراب غير مسبوق للعمليات من محيط بوشهر، ما يرفع من احتمالات الخطأ أو التصعيد غير المقصود.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الطلب الروسي بوقف مؤقت لإطلاق النار على أنه محاولة لخلق “نافذة أمان” محدودة زمنياً، تتيح إتمام عمليات الإجلاء، وتجنب سيناريو قد تكون كلفته أعلى بكثير من أي مكسب عسكري محتمل.
خلاصة المشهد
وتكشف التطورات حول محطة بوشهر عن مرحلة جديدة من التوتر، لم تعد فيها المخاطر مقتصرة على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى تهديدات نووية وبيئية عابرة للحدود.
وبين التحذيرات الروسية، والتحركات الميدانية المتسارعة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الأطراف المعنية قادرة على إبقاء هذا الخط الأحمر — المفاعل النووي — خارج حسابات الصراع، أم أن المنطقة تقترب من اختبار بالغ الخطورة.



