فرصة لهيئة التراث في الزارة

حبيب محمود
واقعة اكتشاف كسر فخارية في موقع الزارة شرق العوامية بمحافظة القطيف؛ إنما هي فرصة مثالية لهيئة التراث، للمبادرة إلى توسيع أعمال المسح والبحث الأثري في أحد أهم مواقع الاستيطان التاريخي بالمنطقة الشرقية، قبل أن تضيع معالمه تحت ضغط الاستخدامات الحديثة أو تدخلات غير مدروسة.
فاللقّى التي كشفتها حرّاثة زراعية عابرة – ويُرجّح أن بعضها يعود إلى العصر العباسي – لم تكن نتاج مشروع علمي منظّم، بل نتيجة صدفة، أعادت إلى السطح مؤشرات على وجود طبقات أثرية غنية لا تزال مطمورة تحت الأرض.
في الزارة، تحوّل عمل زراعي اعتيادي إلى لحظة اكتشاف، حيث ظهرت كسر فخارية مزجّجة، وأخرى تحمل آثار احتراق، إلى جانب أدوات حجرية، ما يعزز من فرضية وجود امتداد أثري واسع لم يُستكشف بعد، في موقع طالما عُرف بأهميته التاريخية كعاصمة لإقليم البحرين القديم.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان تجربتين متباينتين في محافظة القطيف: عين الكعيبة وعين الشنية. ففي الأولى، أدّى الهدم بالخطأ إلى تحرك رسمي أعاد الاعتبار للموقع عبر التوثيق والتنقيب وإعادة البناء، ما أعاد له حضوره في الذاكرة والمكان. أما في عين الشنية، فقد انتهى الأمر عند لحظة الإزالة، دون مبادرة تدارك، لتغيب نهائياً، وتبقى مثالاً على ما يمكن أن يُفقد حين يتأخر التحرك أو يغيب.
تكشف هذه الوقائع أن مصير التراث لا تحدده طبيعة الحدث، بل سرعة الاستجابة له. فالصدفة في الزارة قد تتحول إلى اكتشاف علمي مهم، أو إلى خسارة جديدة، إذا لم تُستثمر في الوقت المناسب.
تشير الدراسات السابقة إلى أن موقع الزارة يحتوي على طبقات حضارية متعاقبة، تمتد من العهد الساساني إلى العصور الإسلامية، وصولاً إلى الحقبة القرمطية، ما يجعله من أغنى المواقع الأثرية في شرق الجزيرة العربية. وما كشفته الحراثة الأخيرة ليس سوى مؤشر أولي على ما يمكن أن تخبئه الأرض من لقى وآثار.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مبادرة عاجلة من هيئة التراث، لتأمين الموقع، وإجراء مسوحات ميدانية دقيقة، تمهيداً لأعمال تنقيب منهجية، تكشف ما تبقّى من معالم المدينة التاريخية. كما أن إشراك المجتمع المحلي، الذي سبق أن لعب دوراً فاعلاً في إنقاذ عين الكعيبة، قد يشكّل عاملاً حاسماً في حماية الموقع.
تقف الزارة اليوم أمام فرصة نادرة: إما أن تتحول الصدفة إلى بداية مشروع علمي يعيد رسم ملامح تاريخ المنطقة، أو أن تمرّ كواقعة عابرة تُضاف إلى سجل الفقد. وبين ما أُنقذ في الكعيبة وما فُقد في الشنية، يبقى الرهان على المبادرة… قبل أن يسبقها الزمن.



