السرد والمكان والصورة: قراءة في “فيلق الإبل”

محمد المخرق
في كثير من الروايات يحضر المكان بوصفه خلفية تقع فيها الأحداث، مدينة تعبرها الشخصيات، أو قرية تعود إليها الذاكرة، أو طريقاً يقود إلى التحول.
وهناك أعمال تذهب خطوة أبعد، فتجعل المكان يدخل في تكوين الرؤية نفسها، ويصبح جزءاً من الطريقة التي يشعر بها الإنسان ويفهم العالم.
ومن هذا النوع تأتي رواية “فيلق الإبل”؛ فالصحراء فيها تحيط بالشخصيات، وتسكن نظرتهم، وتدخل في لغتهم، وتعيد تشكيل علاقتهم بالزمن، وبالصمت، وبالناس.

أحمد السماري
منذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أن الصحراء في الرواية تؤدي دوراً يتجاوز المشهد والزينة المحلية؛ فالاتساع، والفراغ، وطول الأفق، والإيقاع البطيء، كلها تتحول إلى عناصر تبني الوعي نفسه.
ولهذا تبدو “فيلق الإبل” أقرب إلى رواية عن الكيفية التي يترك بها المكان أثره في داخل الإنسان، حتى يغدو جزءاً من صوته، ومن طريقته في النظر، ومن المسافة التي يتركها بينه وبين العالم.
رواية “فيلق الإبل” تجعل الصحراء البنية العميقة التي تتشكل عبرها الشخصيات والعالم. فالمكان يحضر في الرواية بوصفه مصدراً للإحساس والزمن والذاكرة، حتى يغدو جزءاً من تكوين الوعي ذاته.
ومنذ البداية تطرح الرواية سؤالها المركزي: كيف يترك المكان أثره في الإنسان إلى الحد الذي يصبح معه جزءاً من صوته، ومن طريقته في النظر، ومن علاقته بالعالم؟
ومن هنا تقترب الصحراء في الرواية من فكرة المكان المعاش عند “غاستون باشلار”.. أي المكان الذي يسكن الذاكرة والإحساس، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم. غير أن “فيلق الإبل” تدفع هذه الفكرة خطوة أخرى؛ فالصحراء تعيش داخل الجسد، والصوت، والإيقاع.
وهذا هو المعنى العميق لفكرة باشلار: المكان الحقيقي ليس ما نقف فيه، لكنه ما يستقر في داخلنا، ويواصل تشكيلنا حتى بعد أن نغادره.

وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في شخصية “الحاج علي”، الذي يبدو حاملاً لذاكرة الصحراء أكثر من كونه شخصية تتحرك داخل الأحداث. فطريقة كلامه، وصمته، ونظرته إلى الأشياء تحمل أثر المكان الأول.
وحين يقف طويلاً قبل أن يتكلم، أو يترك الجملة ناقصة كأنها تمتد في داخله، تبدو الصحراء حاضرة في صوته نفسه. ولهذا يصبح الحاج علي تجسيداً لفكرة أن الإنسان يحمل مكانه معه أينما ذهب، وقد وصفه الروائي “أحمد السماري” بأنه حامل الذاكرة والأسئلة.
يجلس الحاج علي طويلاً قبل الكلام، وينظر إلى الرمل أو الأفق، ثم يترك الجملة ناقصة، كأن الجزء الأهم يبقى خارج اللغة. فالصمت هنا لا يقع بين جملتين فحسب؛ إنه يدخل في نسيج الكلام نفسه، ويشارك في صنع معناه. والحاج علي يحمل تجربته في التردد، وفي المسافة التي يتركها بينه وبين الجملة. وهنا يظهر أثر الصحراء في بناء الشخصية؛ فالاتساع ينتقل إلى الداخل، ويصبح طريقة في التفكير والكلام.
وما يظهر في شخصية الحاج علي يتكرر في لغة الرواية كلها؛ فطريقة الكلام نفسها تحمل أثر الصحراء. الحوار في روايتنا قليل، مقتصد، يقوم على الجمل القصيرة والوقفات الطويلة. الشخصيات لا تقول كل ما تشعر به، وتترك حول كلامها فراغاً واسعاً كأن ما يُحجب يحمل وزناً أكبر مما يُقال.
وتقول الشخصيات جملاً مقتضبة، ثم تتوقف طويلاً، بحيث يغدو الصمت جزءاً من المعنى، وامتداداً له. فالرواية تستخدم الحوار بوصفه وسيلة لكشف ما تعجز الشخصيات عن قوله، أكثر من كونه أداة لنقل المعلومات. ولهذا يظل أثر الجملة ممتداً بعد انتهائها، كما يمتد الأفق بعد العين.
وتكشف الرواية هذه الفكرة في مشاهد كثيرة. فحين ترفع الشخصية عينيها إلى الأفق قبل الكلام، أو تتريث طويلاً قبل اتخاذ موقف، يأخذ التفكير شكل الصحراء: امتداد، ومسافة، ونظر بعيد. الأفق يدخل في تكوين الشخصية، والصمت يكتسب حضوره الخاص، فتبدو الشخصيات قليلة الكلام، عميقة الأثر، واسعة الإصغاء.
وحين تظل الشخصية محدقة في الأفق طويلاً، يبدو الطريق كأنه يبدأ من هناك. فالنظر البعيد، والتردد قبل الكلام، والإحساس بالمسافة، كلها عناصر تجعل الوعي نفسه يأخذ شكل الصحراء.
ويمتد أثر الصحراء في الرواية إلى ما هو أبعد من الرؤية واللغة، ليصل إلى أخلاق الشخصيات وطريقتها في مواجهة العالم. فشخصيات “فيلق الإبل” تتجنب العجلة، ولا تحسم مواقفها بسرعة، ولا تندفع إلى الكلام أو الفعل من أول لحظة.
هناك ميل دائم للانتظار، وإلى مراقبة ما يحدث قبل اتخاذ القرار، كأن الصحراء علمتها أن الحقيقة لا تظهر دفعة واحدة، وأن الأشياء تحتاج وقتاً حتى تكشف نفسها.
ولهذا يغدو التردد في الرواية صورة من صور الحكمة، وإحدى طرائق النظر المتأني للعالم. الشخصيات تصبر، وتصغي، وتترك مسافة بينها وبين ما يحدث؛ لأنها تعرف أن العالم أوسع من أن يُفهم من النظرة الأولى. وحتى حين تتكلم، تأتي كلماتها قليلة، موزونة، كأنها خرجت بعد زمن طويل من التأمل. فالصحراء هنا تهب الشخصيات طريقة في النظر، وتمنحها أيضاً أسلوباً في العيش، وفي فهم الناس، وفي التعامل مع الزمن.
هنا تظهر فرادة “فيلق الإبل”؛ فكثير من الروايات التي تشتغل على المكان الأول تجعل الوطن صورة محفوظة في الذاكرة: طفولة بعيدة، أو أرضاً تستدعيها الشخصيات كلما اشتد اغترابها. وفي “موسم الهجرة إلى الشمال” يحضر السودان بوصفه المرجع الذي تقيس الشخصية عليه غربتها.
وفي “السمي” لـ “جومبا لاهيري” يبقى الوطن الأول محفوظاً في اللغة والعائلة والذاكرة. أما “فيلق الإبل” فتذهب إلى مساحة مختلفة؛ فالصحراء تستقر داخل طريقة الرؤية نفسها، وترافق الشخصيات في كل مكان.
وإذا كانت روايات الهجرة تنتمي إلى ما يمكن تسميته “الذاكرة المكانية”، فإن “فيلق الإبل” تنتمي إلى “الإدراك المكاني”. الوطن هنا يعيش داخل الوعي، ويشارك في تشكيل اللغة، والإيقاع، والعلاقات، وطريقة النظر إلى العالم.
ويتجلى ذلك بوضوح في لغة الرواية؛ فاللغة تتحرك على إيقاع الصحراء: جمل واسعة، هادئة، تترك حول الأشياء فراغاً يشبه امتداد الأفق. وهناك ميل إلى التكثيف، ولمنح الصمت قيمة سردية كاملة. الشخصيات تُعرف بما تلمح إليه، وبما تحمله من سكون، وبالأثر الذي تتركه في المشهد.
ومن أكثر ما يلفت في الرواية قدرتها على بناء مشاهدها بصرياً. ولهذا يبدو الحديث عن سرد سينمائي في “فيلق الإبل” حديثاً دقيقاً. فالمشهد يتشكل عبر حركة الشخصيات داخل الفضاء، وعبر المسافة بين الجسد والأفق، وتوزع الضوء، والصمت الذي يسبق الكلام.
وتقترب الرواية هنا من مفهوم “الزمكان” عند “ميخائيل باختين”؛ فالصحراء لا تحدد المكان وحده، فهي ترسم أيضاً الإيقاع الزمني الذي تتحرك داخله الشخصيات والأحداث. الزمن في الرواية بطيء، متروٍّ، يقوم على الانتظار والترقب. ولهذا تأتي المشاهد طويلة النفس، قليلة الحركة، وتُمنح فيها لحظة الوقوف أو النظر أو الصمت قيمة توازي قيمة الحدث نفسه. وهذا ما قصده باختين حين رأى أن المكان والزمن يتداخلان ليشكلا طريقة خاصة في رؤية العالم.
وغالباً ما تسبق الصورةُ الكلامَ: ظل يمتد على الرمل، شخصية تقف عند طرف المشهد، وجه يتجه نحو البعيد قبل أن ينطق. فالرواية تمنح الجسد والظل والصمت وظيفة سردية، وتجعل الشخصية تُرى قبل أن تتكلم.
ومن خلال هذه التقنية يتشكل البعد السينمائي في الرواية، حيث يتحول المشهد إلى أداة لكشف الداخل النفسي.
وهذا ما يمنح الرواية خصوصيتها مقارنة بكثير من الروايات التي تكتب الصحراء بوصفها موضوعاً. في “فيلق الإبل” لا تبقى الصحراء موضوعاً يُروى، فهي تدخل في بناء المشهد نفسه، وتشارك في تشكيل صورته وإيقاعه. الضوء، والظل، والمسافة بين الشخصيات، وطول الصمت قبل الجملة، كلها تتحول إلى عناصر سردية.
أحياناً تبدو الرواية كأنها تريد من القارئ أكثر من سماع الشخصيات؛ فهي تدعوه إلى أن يراها من بعيد: واقفة عند حافة الأفق، مترددة قبل الحركة، أو محاطة بفراغ يتسع حولها أكثر مما تتسع الكلمات.
ثمة صفحات في الرواية تُقرأ كما لو أنها لقطات سينمائية متتابعة: ظل يمتد فوق الرمل، شخصية تقف عند طرف المشهد، عين تتجه نحو البعيد، صمت طويل يسبق الجملة. الصورة هنا تؤدي وظيفة عميقة؛ فهي تكشف أثر المكان في الشخصيات، وتجعل القارئ يشعر بالتحول الذي يصيب الإنسان حين يعيش داخل هذا الاتساع.
بهذا تفتح “فيلق الإبل” تصوراً نادراً للمكان في الرواية السعودية؛ فالصحراء هنا تدخل في بنية السرد ذاتها، وتشارك في تشكيل طريقته وإيقاعه.
بعد “فيلق الإبل” لا يعود القارئ واثقاً أن المكان شيء نغادره. فبعض الأمكنة لا تبقى وراءنا؛ إنها تمضي معنا، وتستقر في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، وفي الصمت الذي يسبق كلامنا.
اقرأ للكاتب أيضاً



