“بَسْ يا”.. حياة الفهد

متابعة: أمل سعيد
منذ أن خطت حياة الفهد أولى خطواتها على خشبة الفن في ستينيات القرن الماضي، ثم لمع نجمها في سبعينياته، لم تكن مجرد ممثلة تعبر الشاشة، بل حضوراً حياً يدخل إلى البيوت والقلوب معاً؛ عرفت كيف تُشعر الناس بأن شخصياتها ليست ورقاً مكتوباً، بل حياة تُعاش.

تعلّق بها الأطفال مبكراً وهي تجسد شخصية أ”م جودر” في “حبابة”، فلا تكاد الحبابة تقول “زور ابن الزرزور اللي عمره ما حلف ولا جذب زور” حتى يتحلق الأطفال حول الشاشة الصغيرة في كل بيت بانتظار جودر وأمه.
واحترمها الكبار وهي توقّع رسالتها التربوية بمشاركة الفنان خالد النفيسي في مسلسل “إلى أبي وأمي مع التحية”، وعشقوها في “خالتي قماشة” رغم ما حمله الدور من سلبيات، وظلوا يجدون فيها دائماً تلك القدرة العجيبة على أن تجرّهم إلى عوالم أدوارها بحب وصدق.

عرفت حياة الفهد كيف تعيش كل شخصية تجسدها حتى تذوب فيها؛ أدت دور المرأة الكبيرة وهي ما تزال في ريعان شبابها، وبرعت في دور الأم إلى حد جعل المشاهدين يتقاسمون معها الألم. ففي “بس يا بحر”، حين ودّعت ابنها مساعد بكت وأبكت جمهورها بحرقة، وكأن لحظة الفقد تلك خرجت من الشاشة لتلامس جرحاً إنسانياً مشتركاً لا يُنسى، ولا يمكن أن يمر دون أن تتشابك فيه شهقات الفنانة بدموع جمهورها الذي أحسّ بصدق أدائها.
ولم يتوقف عطاؤها عند التراجيديا، بل فاجأت محبيها بقدرة نادرة على الانتقال إلى الأدوار الأكثر صعوبة، فجمعت بين كوميديا الموقف والكوميديا التراجيدية، وراكمت رصيداً ليس بالقليل في هذا النوع من الأعمال التي تابعها أهل الخليج بحب، فاستطاعت “محظوظة” بمعية أختها “مبروكة”، في “على الدنيا السلام”، أن تنتزعا الضحكة تلو الضحكة من شفاه الجمهور، وهكذا فعلتا في “رقية وسبيكة”، الذي جسدت فيه الفهد دور سبيكة، ومثلهما مسلسل “خرج ولم يعد”.
وفي تلك المرحلة، نسجت حياة الفهد ثنائيات فنية ذهبية مع غانم الصالح وسعاد عبد الله، ثنائيات ما زالت تُعد من أجمل ما قدمته دراما الخليج.
الفهد
لم يكن سحرها عصياً على الفهم؛ فعفويتها الشفافة وشخصيتها السهلة كانت تتسلل بهدوء إلى القلب لتسكنه، لتصبح حياة الفهد صورة قريبة من نساء الخليج، وامتداداً صادقاً لهن على الشاشة.
وُلدت حياة الفهد في مدينة الكويت يوم 15 أبريل 1948، ونشأت في بيئة بسيطة، فبعد أن فقدت والدها في سن مبكرة، عاشت طفولة قاسية، حيث لم تُكمل تعليمها النظامي بسبب ظروف الأسرة. عملت في بداية حياتها موظفة في أحد المستشفيات، وهناك بدأت ملامح ميولها الفنية تظهر من خلال مشاركاتها في الأنشطة الثقافية والمسرحية.
وهناك كانت المفارقة، حيث التقت بالصدفة بفريق عمل المسلسل الإذاعي “أبو جسوم” ليكون ذلك نقطة التحول في حياتها.

مسلسل إلى أبي وأمي مع التحية
بداياتها الفنية
انطلقت بقوة في عام 1963 من على خشبة المسرح في مسرحية “الضحية”، ثم توالت الأعمال التلفزيونية التي جعلت منها اسماً لامعاً في سماء الدراما الخليجية، لتصبح على مدى ستة عقود صوتاً للمرأة العربية وقضايا المجتمع. وتمكنت سريعاً من فرض حضورها بفضل قدرتها على تجسيد الشخصيات الشعبية والدرامية المعقدة، حتى أصبحت إحدى أعمدة الدراما الخليجية.

خالتي قماشة
أعمالها
قدّمت حياة الفهد عشرات المسلسلات والمسرحيات، وتجاوز رصيدها الفني أكثر من 212 عملاً فنياً تنوعت بين التلفزيون والمسرح والإذاعة، ومن أبرز أعمالها:
– خالتي قماشة
– رقية وسبيكة
– جرح الزمن
– أم هارون
– خرج ولم يعد

فيلم بس يا بحر
كما كتبت عدداً من أعمالها بنفسها، وركزت في معظمها على القضايا الاجتماعية والإنسانية داخل المجتمع الخليجي.
الثنائيات الفنية
شكّلت حياة الفهد ثنائيات بارزة مع عدد من نجوم الخليج، من أبرزهم:
– سعاد عبد الله
– عبد الحسين عبد الرضا
– غانم الصالح
وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم أعمال أصبحت من كلاسيكيات الدراما الخليجية.
في عام 2020، أثارت حياة الفهد جدلاً واسعاً بعد تصريحات تلفزيونية خلال جائحة كورونا دعت فيها إلى ترحيل العمالة الوافدة، ما قوبل بانتقادات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الجدل الواسع الذي صاحب عرض مسلسل “أم هارون” وما أثاره من نقاش واسع بسبب موضوعه التاريخي.
مرضها ورحلة العلاج
خلال الفترة الأخيرة من حياتها تعرضت لوعكات صحية متتالية، شملت مشكلات قلبية وجلطة دماغية، ما استدعى نقلها إلى العناية المركزة، كما خضعت لمحاولات علاجية عدة داخل الكويت وخارجها، قبل أن تتدهور حالتها الصحية في الأشهر الأخيرة.

حياة الفهد مع بناتها
الوفاة
اليوم 21 أبريل 2026 أُعلن عن وفاتها بعد تدهور حالتها الصحية، لتنتهي رحلة فنية طويلة استحقت خلالها لقب ”سيدة الشاشة الخليجية”، تاركةً إرثاً كبيراً من الأعمال التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور العربي.
اقرأ أيضاً



