من ليليت إلى جواهر: التمثيلات الثقافية والتخييل في رواية “ابنة ليليت”

محمد المخرق
تبدأ رواية “ابنة ليليت” للأديب أحمد السماري من عنوان يضع القارئ مباشرة أمام سؤال مقلق، وهو: كيف يمكن لشخصية أسطورية قديمة مثل “ليليت” أن تدخل إلى عالم امرأة سعودية معاصرة؟ ولماذا تحتاج الرواية إلى هذه الشخصية بالذات كي تتحدث عن “جواهر” وعن المجتمع الذي تعيش داخله؟
يظهر اسم “ليليت” منذ الصفحات الأولى باعتباره مفتاحاً لقراءة الرواية كلها؛ فحضوره يمنح النص بعداً أسطورياً، ويفتح في الوقت نفسه سؤالاً أعمق: هل ما تزال صورة المرأة في المجتمع الحديث تُبنى من خلال خوف قديم من المرأة التي تريد أن تختار نفسها؟
في الموروثات القديمة، تظهر “ليليت” على أنها المرأة التي رفضت الخضوع وغادرت المكان الذي رُسم لها، فتحولت في المخيلة إلى رمز للخطر والتمرد والأنوثة الخارجة عن النظام. “ليليت” هنا ليست شخصية تاريخية بقدر ما هي صورة ثقافية طويلة؛ صورة صنعتها المجتمعات عن المرأة حين تخرج من الدور المرسوم لها.
من هنا تبدأ أهمية الرواية؛ فهي تضع “جواهر” داخل شبكة من الصور السابقة عليها. المجتمع في “ابنة ليليت” لا يرى المرأة مباشرة، فهو يراها من خلال تاريخ طويل من التوقعات والأحكام والخوف. ولهذا تبدو “جواهر” محاصرة بصورة أقدم من الأسرة والعادات؛ صورة المرأة التي يثير حضورها القلق حين تريد أن تصبح ذاتاً مستقلة.
قد تبدو “جواهر” في ظاهر الرواية شخصية فردية لها تجربتها الخاصة، غير أن السرد يدفعها إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهي تتحرك داخل صور متراكمة للمرأة: الابنة، والمرأة التي يُنتظر منها الطاعة، والمرأة التي تُعرَّف من خلال الأسرة، ثم المرأة التي تحاول أن ترى نفسها خارج هذه الصور.
لهذا تأخذ السلطة في الرواية شكلاً أكثر تعقيداً من المنع المباشر؛ فجواهر تعيش داخل عالم يخبرها باستمرار كيف ينبغي أن تكون. التوقعات والنظرات والخوف من الاختلاف، كلها تتحول إلى جزء من التجربة اليومية للشخصية. وتكشف الرواية هذا المعنى في لحظة تشعر فيها “جواهر” أن الآخرين لا يرونها كما هي، وإنما كما ينبغي لها أن تكون: (كنت أشعر أن الجميع ينظر إليّ كما لو أن عليّ أن أكون النسخة التي يريدونها، لا المرأة التي أريدها أنا).
وحين تنتقل “جواهر” إلى فضاء آخر ويتحول اسمها إلى “جورجيت”، تأخذ الرواية منحىً جديداً؛ فالاسم الجديد يفتح أمامها إمكانية أخرى للحياة، ويمنحها مساحة أوسع للحركة.
وتقول إليزابيث لجواهر: (لم تعودي تلك الطبيبة الهادئة الوديعة، لقد غدوتِ امرأة قوية متمردة، وأنضجتكِ المعرفة والقراءة والعمل الجاد). فتجيبها جواهر: (لقد عرفت طريقي، وسر الوصول إلى ما أطمح إليه، وأنه من الممكن أن يكون حلمي هنا، في أمريكا وليس في مكانٍ آخر).
وتكشف الرواية هذا التحول أيضاً في لحظة تقول فيها “جواهر” بعد أن بدأت تعيش باسم “جورجيت”: (حين نادوني “جورجيت” للمرة الأولى، شعرت أنني أسمع صوتاً يخصني، ولم أعرف من قبل أنه كان غائباً إلى هذا الحد). هنا لا يصبح الاسم مجرد قناع جديد، ولكن محاولة لخلق مسافة بينها وبين الصورة القديمة التي ظلت تطاردها.
غير أن أهمية هذا التحول لا تظهر في المعنى وحده، بقدر ما تظهر في الطريقة التي يكتب بها السردُ الشخصيةَ. قبل السفر، تبدو “جواهر” محاطة بلغة التردد والخوف؛ فالجمل تميل إلى الوصف من الخارج، وكأن الشخصية تُرى أكثر مما تَرى. كثيراً ما تظهر من خلال نظرات الآخرين إليها، أو من خلال ما يُنتظر منها. حضورها في السرد تحكمه أفعال مثل: تخاف، تتردد، تصمت، تنتظر.
بعد الوصول إلى أمريكا، تتغير نبرة اللغة؛ تظهر أفعال مثل: أختار، أعمل، أسافر، أعرف طريقي. الإيقاع يصبح أكثر حركة، والجمل أكثر مباشرة. ومع ذلك، يبقى في هذه اللغة شيء من الحذر، كأن الشخصية تتحرك داخل حياة جديدة دون أن تشعر أنها استقرت فيها تماماً. ولهذا يبدو اسم “جورجيت” أقرب إلى محاولة لإعادة كتابة الذات؛ فالرواية تجعل القارئ يشعر بالانقسام من خلال اختلاف النبرة بين مرحلتين: “جواهر” التي تُكتب بوصفها موضوعاً لنظرة الآخرين، و”جورجيت” التي تحاول أن تصبح ذاتاً.
ومن هنا تكتسب “ليليت” معناها داخل الرواية؛ فالرواية لا تقدم “جواهر” باعتبارها نسخة حديثة من “ليليت”، ولكن بوصفها امرأة تعيش أثر الصورة التي تركتها “ليليت” في المخيلة الاجتماعية. ما يلاحق “جواهر” هو تلك الصورة القديمة التي تجعل المرأة التي تختار نفسها موضعاً للريبة والاتهام.
ويختار أحمد السماري أن يجعل “ليليت” تتحرك في خلفية النص بوصفها ذاكرة ثقافية. وبهذا يصبح التخييل أداة نقدية تكشف أن صورة المرأة في الحاضر تمتد من تاريخ طويل يسبقها. الرواية توحي بأن المجتمع ما يزال يرى المرأة المختلفة بالطريقة نفسها التي رأت بها المخيلة القديمة “ليليت”: امرأة تخرج من الصورة الجاهزة، فتثير الخوف.
ولهذا يحمل الانتقال من الخبر إلى الولايات المتحدة الأمريكية معنى يتجاوز الانتقال بين مكانين؛ ففي الخبر تعيش “جواهر” داخل شبكة كثيفة من العلاقات والرقابة والتوقعات، وفي أمريكا تظهر أمامها مساحة أوسع، غير أن هذه المساحة لا تمنحها هوية مكتملة.
حين تصل إلى أمريكا، تحمل اسماً جديداً وتعيش في فضاء مختلف، ومع ذلك يبقى الماضي حاضراً في طريقتها في النظر إلى نفسها. ولهذا تقول: (لقد عرفت طريقي، وسر الوصول إلى ما أطمح إليه)، لكنها تتوقف عند الطريق والحلم، فيما يبقى سؤال الذات مفتوحاً.
وتكشف الرواية هذا الأثر في لحظة تقول فيها “جواهر”، بعد ظلمها في الميراث: (من تسمينهم أهلي بغوا على حقي وحق أمي).
تكمن قوة هذه الجملة في الكلمة الأولى “تسمينهم”؛ فالكلمة تضع مسافة بين جواهر والعائلة. الاسم الذي كان يمنحها شعور الانتماء فقد يقينه، ومن داخل هذه المسافة يتكشف الشرخ الذي أصاب صورة الأسرة وصورة الذات معاً.
تكمن قوة “ابنة ليليت” في أنها تقدم المرأة بوصفها ذاتاً تبحث عن صورتها الخاصة وسط صور قديمة تحاصرها. ومن خلال “ليليت” و”جواهر”، تضع الرواية القارئ أمام صراع بين صورتين: صورة موروثة ما تزال الثقافة تعيد إنتاجها، وصورة جديدة تحاول المرأة أن تصنعها لنفسها. وحين تغادر “جواهر” المكان، لا تغادر أثره كله؛ يظل شيء من الماضي حاضراً في اللغة والاسم والذاكرة.
وربما لهذا لا تبدو الرحلة في “ابنة ليليت” بحثاً عن مكان جديد، بقدر ما تبدو محاولة متأخرة لأن ترى المرأة نفسها، للمرة الأولى، خارج الصورة التي رآها بها الآخرون.
ولهذا تنتهي الرواية، في جوهرها، إلى سؤال أكثر صعوبة وهو: كيف تستطيع المرأة أن ترى نفسها بعينيها، بعد عمر كامل قضته وهي تُرى بعين الآخرين؟



