القديح حاضنة العلماء.. آل طعان نموذجاً

عبدالجبار آل سلاط
نستعرض بشكلٍ مختصرٍ حياةَ عالمٍ رباني تحتضنه بلدةُ القديح، التي تتميز كغيرها من البلدات بزيادة تمسكها بالثوابت الدينية، والمحافظة على التقاليد الاجتماعية المعتبرة.
وسيلاحظ القارئ الكريم، من خلال قراءته لهذه السيرة العطرة لهذا العالم الجليل المتميز، كيف تمكن رجالُ وشخصياتُ هذه البلدة العزيزة على قلوبنا من إقناع هذا العالم المتبحر بوضع رحاله والاستقرار في هذه البلدة الطيبة، التي أغرته بكل شيء، وأغدق عليها من علمه وأدبه وأخلاقه كل شيء.
ورد عن أمير المؤمنين علي -عليه السلام- أنه قال: «العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة» (نهج البلاغة).
فمن هو هذا العالم؟
اسمه وولادته:
وُلد المترجم له، العامل العابد، الشيخ الجليل والعالم الكبير العلامة الحجة آية الله الشيخ أحمد بن العلامة الزاهد الشيخ صالح بن طعان بن ناصر بن علي الستري البحراني -قدس الله تربته- سنة 1250هـ، الموافق 1834–1835م، في قرية سترة من البحرين، ثم انتقل مع والده إلى العاصمة المنامة.
دراسته:
درس في بداية حياته عند التقي السيد علي بن السيد إسحاق البلادي البحراني أكثر العلوم، من نحوٍ وصرفٍ ومعانٍ وبيانٍ وتجويدٍ ومنطقٍ وغير ذلك، حتى أذعن له أستاذه وغيره بالفضيلة. وبقي سنتين أو أكثر مشتغلاً بالتصنيف والمطالعة والتأليف وأجوبة بعض المسائل التي ترد عليه. كما قرأ «شرح الباب الحادي عشر» للشيخ فاضل السيوري الحلي عند العالم الأوّاه الشيخ عبد الله بن الشيخ عباس الستري البحراني، الذي جاء إلى المنامة أثناء قراءته على أستاذ المترجم له السيد علي بن السيد إسحاق.
السفر إلى العراق:
نظراً لضعف الحالة الاقتصادية لوالده الشيخ صالح، تكفل بنفقاته ومصروفاته خالُ الأسرة الحاج صلات فردان، وبهذا توجه المترجم له إلى العراق، إلى النجف الأشرف، مهبط العلماء، لتحصيل العلوم الدينية على جهابذة الفقهاء والعلماء الأخيار.
أساتذته:
من توفيقات الله تعالى لمترجمنا أن يصل إلى النجف الأشرف، ليدرس ويتعلم على يد شيخ الطائفة، علامة العلماء الشيخ مرتضى الأنصاري (1214–1281هـ)، الذي اكتسبت مؤلفاته («المكاسب»، «الرسائل») حظاً عظيماً ولا تزال تُدرَّس في الحوزات العلمية حتى يومنا هذا. ومنهم أيضاً العالم الفقيه الشيخ محمد حسن الكاظمي النجفي (1224–1308هـ)، الذي صنف كتاب «هداية الأنام» في خمسة وعشرين مجلداً، وتوفي وهو مشغول بكتابة كتاب القضاء.
ومنهم العلامة الفهامة الصفي الفقيه الشيخ راضي النجفي (…–1290هـ)، وهو عالم فقيه أصولي، محقق مدقق، زاهد في الدنيا، شديد التواضع، له كتاب «هداية المؤمنين»، ومن تلامذته: الآخوند الخراساني، والسيد اليزدي، والشيخ محمد حسن المامقاني وغيرهم.
وقد عرض المترجم له، أثناء تواجده بين ظهراني علماء النجف الأشرف، كتابه «زاد المجتهدين في شرح بُلغة المحدثين» في علم الرجال، الذي صنفه قبل ذهابه إلى النجف، فاستحسنوه وأقروا له بالفضيلة، فأجازه العلماء الكبار إجازةً عامة ليذكر سلسلته هناك، كما هو مقرر عند علماء ذلك الفن، لكنه لم يسعَ لطلب الإجازات من العلماء تورعاً وتوقفاً عما يتوهمه البعض من أن ذلك لأغراض دنيوية.
وخلال تواجده في النجف الأشرف حضر عنده جمعٌ من طلبة العلم والأدب، من العرب والعجم، ينهلون من علمه الغزير وأدبه الرفيع، واشتغل بالتدريس والتصنيف إلى جانب حضوره حلقات الدروس عند العلماء الفطاحل.
العودة إلى البحرين:
اضطر عالمنا المترجم له، في عام 1281هـ، إلى مغادرة النجف الأشرف عائداً إلى وطنه البحرين، بسبب وفاة والده العالم الجليل الشيخ صالح، ومن معه، كالشيخ التقي حسن البلادي والد الحجة الشيخ علي البلادي القديحي، والرجل الصالح صلات فردان؛ وذلك أثناء رحلتهم لأداء مناسك الحج بسبب وباء الطاعون (كفانا الله وإياكم).
فلما وصل إلى القطيف، وكان معه زوار منها، سمع بأحداث سياسية تقع في البحرين، فاستخار الله، فخرجت الخيرة على نزوله القطيف أمراً، وعلى رواحه إلى البحرين نهياً. بقي في مدينة سيهات فترة، ثم تركها وذهب وسكن قرية الدبابية (كانت تُسمى الأحياء سابقاً بالقرى)، ومكث فيها سنتين، يقوم بدوره كعالم دين.
فما الذي جعله ينتقل إلى بلدة القديح؟
وجهتُ هذا السؤال للحاج عبد الكريم آل الشيخ، وهو أحد أسباط المترجم له، فقال: معلوم أن عمدة بلدة القديح في تلك الفترة كان الحاج السيد إبراهيم أبو الرحي، وهو من الشخصيات القوية والمرموقة، ولديه مجلس عامر بحضور وجهاء البلد ومريديه. فذكر لهم أنه رأى رؤية في المنام، وهي خروج الماء من «الجفر» ففاض بشكل جعله يدخل في كل بيت. فقال له أحد الحاضرين: إن صدقت رؤياك، فإن أحد العلماء ينزل البلدة ويعيش فيها، وببركته ينتشر العلم والفضيلة ويدخل في كل بيت.
فقال العمدة: أيُّ عالم هذا؟ فقال الرجل: هذا ينطبق على العالم الرباني الشيخ أحمد آل طعان، وهو الآن في قرية الدبابية. فقال العمدة: هلموا نذهب إليه (فإن الكعبة يُؤتى إليها).
استقبلهم العلامة الحجة بن طعان أحسن استقبال، وبعد الضيافة عرضوا عليه مبتغاهم، وهو العيش معهم في بلدة القديح، وأظهروا له بالغ الحفاوة، وبذلوا في إكرامه الغالي والنفيس، وألحوا عليه بإصرار، وذللوا له الصعاب، فاشترط عليهم (بعد اللتيا والتي) أن يقيم في منزلٍ مستأجر، فرحبوا بما يراه. فانتقل إلى البلدة نورُ العلم، وخلقُ الورع، وشيمُ السماحة (لم يذكر المؤرخون تاريخ الانتقال).
وحينما حلَّ الحجة العلامة الشيخ أحمد بن طعان في القديح، بدأت الأنظار تتجه نحوها، فأخذ طلاب العلم يتوافدون على هذه البلدة الطيبة جيئةً وذهاباً، وأصبح للقديح مكانة وموقع مرموق بين بلدات المنطقة.
تلامذته:
ربّى العالم الرباني الحجة الشيخ ابن طعان الكثير من طلبة العلم، وأنعم عليهم بإرشاده وعلمه غاية الإنعام، من خلال حلقات الدروس الحوزوية التي أقامها في قديح النور والعطاء، والتوجيه والتعريف بمعالم الدين من خلال صلاة الجماعة، ومجلسه العامر، وزياراته لمنازل المؤمنين. ومن أبرز تلامذته والمقربين إليه العلامة الحجة الشيخ علي بن المقدس الشيخ حسن البلادي القديحي؛ فقد كفله ورباه، وقرّبه وأدناه، وزوّجه ابنته، وحباه، وجعله وصياً وولياً على أولاده بعد وفاته.
كذلك من تلامذته: الحجة الشيخ محمد بن نمر، والحجة الشيخ حسن علي البدر، والحجة الشيخ عبد الله المعتوق، وأبناؤه: سماحة الشيخ محمد صالح، وسماحة الشيخ عبد الله، وسماحة الشيخ محمد علي، وسماحة الشيخ حسين وغيرهم. كما أن هناك تلامذة له في البحرين لا تحضرني أسماؤهم.
مؤلفاته:
له من المصنفات الجليلة والرسائل النبيلة، المشبعة بالتحقيق والتدقيق، ما يستحق أن يُكتب بالنور على جبهات الحور، منها:
«قرة العين في حكم الجهر بالبسملة فيما عدا الأوليتين».
«منهاج السلامة في حكم الخارج عن بلد الإقامة».
كتاب «زاد المجتهدين في شرح بلغة المحدثين» في علم الرجال.
«ملاذ العباد في تتميم السداد» في الأصول والاجتهاد، وهو مجلد.
وله مجموعة من المنظومات الشعرية، منها:
«منظومة في التوحيد» لكنها لم تتم.
«منظومة السهوية والشكية».
«الصحيفة الصادقية» مشتملة على الأدعية.
وللمزيد يمكن للقارئ الكريم الاطلاع على كتاب «الحق الواضح» للعلامة الحجة الشيخ علي البلادي القديحي -قدس الله تربته-.
حياته الأسرية:
حينما استقر العلامة الحجة آية الله الشيخ أحمد آل طعان به المقام في قديح القطيف -سلمها الله- كان له من الزوجات أربع، وهن:
الزوجة الأولى: كريمة الحاج صلات فردان (البحرين)، وأنجبت له:
أ ـ الحاجة زهراء: تزوجها العلامة الحجة الشيخ علي البلادي القديحي -أعلى الله مقامه- وهي أم أولاده، ما عدا محمد علي وأخته تقية، فأمهما السيدة هاشمية بنت السيد إبراهيم بن السيد علي بن السيد إبراهيم أبو الرحي.
ب ـ الحاجة فاطمة: تزوجها الشيخ حسن التاروتي، ثم الملا رضي بن عبد الله بن ربيع القديحي، ولم تنجب من كليهما.
ج ـ الشيخ عبد الله: توفي في حياة والده سنة 1298هـ، ولم يُخلّف.
الزوجة الثانية: فاطمة بنت الشيخ حسن البلادي، أخت العلامة الشيخ علي البلادي القديحي (جد الفرع الثاني في عائلة آل الشيخ)، وأنجبت:
أ ـ الشيخ محمد صالح، ومنه ذرية العالم الفقيه الشيخ أحمد.
الزوجة الثالثة: وقد تزوجها بعد استقراره في القطيف، وهي فاطمة بنت الشيخ محمد علي بن الشيخ علي آل عبد الجبار، وأنجبت بنتاً واحدة اسمها الحاجة سلمى.
الزوجة الرابعة: علوية بنت السيد سلمان الخباز، وأنجبت له:
أ ـ الشيخ محمد علي: توفي في طريقه للحج سنة 1326هـ، وتزوج ولم يُنجب.
ب ـ الشيخ حسين: توفي قبل زواجه.
ج ـ الحاجة مريم: تزوجها العلامة الحجة السيد ماجد العوامي -قدس الله تربته- ولم تُنجب.
رحيل عالم زمانه:
أهل البحرين -حفظهم الله- طالبوا هذا العالم الرباني بالعودة للحياة في البحرين، فاعتذر منهم، ثم ألحوا عليه مراراً وتكراراً، ثم طلبوا منه الذهاب إليهم ولو بعض أشهر السنة، لاحتياجهم إلى هديه وإرشاده، فاستجاب لمطلبهم، وأخذ يتردد بين البحرين والقطيف، إلى أن وافته المنية في يوم عيد الفطر أو ثانيه سنة 1315هـ الموافق 1898م، في البحرين، ودُفن -عليه الرحمة- بجوار مرقد الشيخ ميثم البحراني (ت: 679هـ)، الواقع في قرية أم الحصم بمملكة البحرين الشقيقة.
وقد رثاه شعراء زمانه وعلماء عصره بمراثٍ كثيرة، يُستدل بها على قدره الجليل. فقد قال أمير المؤمنين -عليه السلام- في عهده الكبير لمالك بن الحارث الأشتر النخعي -رضي الله عنه-: «إنما يُستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده المؤمنين».
وممن رثاه العالم آية الله المؤتمن الشيخ علي بن الحاج حسن الجشي -قدس الله روحه- قال:
رمى أحمداً فأصاب الورى .. جميعاً وأوحش أزمانها
فويحك يا دهرُ من ذا رميت .. أصبتَ من الخلق إنسانها
ورثاه تلميذه العلامة حجة الإسلام الشيخ محمد بن نمر -قدس الله تربته- فقال:
يا ناعياً أحمداً هل نعيت بني .. الدنيا جميعهم فالكل يفديه
ما كنت أحسب أن الموت يقربه .. مهابةً واحتشاماً أن يدانيه
لكن دعاه على أسنى منازله .. ربُّ السماء فلبّى أمر داعيه
المصادر:
أنوار البدرين، ج1 ص563.
مشجرة عائلة آل الشيخ.
«الحق الواضح» للعلامة الشيخ علي البلادي القديحي.



