حسون علمني القراءة

نزار المصطفى
نقطة على السطر:
هذه القصيدة لا تُكتب عن “التوحّد” بوصفه حالة، بل تُكتب من داخله بوصفه كينونة. هنا لا يقف جاسم الصحيح خارج النص ليرصد ظاهرة، بل يذوب في نسيجها حتى يغدو الصوت صوتين: ذاتٌ تعاني، وذاتٌ ترى؛ ذاتٌ حبيسة “الكرّاس”، وأخرى طليقة في فضاء “الحسّ”. ومن هذا الانشطار الخلّاق يولد النص.
“حسّون” ليس كائنًا محددًا، بل هو استعارة كبرى للوعي المختلف، للروح التي فقدت أدوات القراءة التقليدية، فاكتسبت بالمقابل بصيرةً أكثر نفاذًا. إنه كائن “لا يستطيع قراءة القرطاس”، لكنه يقرأ ما هو أعمق: “نأمة الأنفاس”، “شعاع العيون”، “سرائر الأقداس”. هنا ينسف الشاعر مركزية اللغة المكتوبة، ويقيم بدلها لغةً حسّية، شفافة، تتجاوز الحروف إلى الجوهر. كأن القصيدة تعلن أن المعنى لا يُدرك بالكتابة وحدها، بل بالإحساس الذي يسبقها.
البنية التكرارية “تلقاه يقرأ…” ليست مجرد إيقاع، بل فعل تأسيسي: كل تكرار هو توسيع لدائرة الإدراك، من الأنفاس إلى الأرواح، ومن العيون إلى الضمائر. إنها حركة صعود من الظاهر إلى الباطن، من السطح إلى العمق، حتى يغدو “حسّون” قارئًا كونيًا، لا يقرأ النصوص بل يقرأ الوجود ذاته.
في المقابل، يقف “الأنا” الشاعرة في موقع العجز: “إنّي حبيس قراءة الكرّاس”. هذا الاعتراف ليس ضعفًا بل وعيٌ نقدي بالقصور؛ قصور الثقافة حين تنفصل عن الحسّ، وقصور المعرفة حين تُختزل في مناهج. لذلك يأتي الطلب: “علّمني القراءة حرّةً”. الحرية هنا ليست سياسية ولا اجتماعية، بل معرفية-وجدانية؛ تحرّر من سطوة الشكل إلى رحابة الجوهر.
اللافت أن الشاعر لا ينظر إلى التوحّد كعزلة سلبية، بل كـ”معبد” و”طُهر” و”بحر بلا مراسي”. هذه الصور تعيد تعريف التوحّد: ليس انقطاعًا عن العالم، بل اتصالًا من نوع آخر، أعمق وأكثر نقاءً. لذلك يطلب العبور إلى هذا العالم “الطهور”، في مقابل عالم “الأرجاس” الذي يرمز إلى الضجيج، الزيف، وثقل القوالب الجاهزة.
الذروة الفكرية في القصيدة تتجلى في قوله: “لا شاعر إلا مريض توحّد”. هنا ينقلب المفهوم من حالة مرضية إلى شرط إبداعي. التوحّد، بهذا المعنى، ليس خللًا بل طاقة: هو الانسحاب الضروري من السطح كي تتكثف الرؤية في العمق. كل شاعر، في لحظة الكتابة، يمرّ بهذا “التوحّد”: ينفصل ليبصر، ويصمت ليسمع، ويبتعد ليقترب.
من داخل جوهر النص، يمكن القول إن “حسّون” ليس الآخر، بل هو الإمكان الكامن في الشاعر نفسه؛ ذلك الجزء الذي لم تفسده المناهج بعد، ولم تُقيّده اللغة الجاهزة. القصيدة إذن ليست حوارًا مع كائن مختلف، بل محاولة استعادة ذلك النقاء الأول، حيث تكون القراءة فعل إحساس قبل أن تكون فعل نظر.
بهذا، تتحول القصيدة إلى بيان شعري ضد اختزال الإنسان في قدراته الظاهرة، وضد اختزال المعرفة في أدواتها التقليدية. إنها دعوة لإعادة الاعتبار لما هو خفي، لما يُحسّ ولا يُقال، لما يُقرأ بالقلب لا بالعين.
وهنا تكمن عظمتها:
أنها لا تشرح التوحّد… بل تجعلنا نعيشه.
نقطة.
(حسُّونُ).. عَلِّمْنِي القراءةَ
(حسُّونُ) مخلوقٌ من الإحساسِ
لا يستطيعُ قراءةَ القرطاسِ
لكنَّهُ من فَرطِ ما هوَ مُرهَفٌ
تلقاهُ يقرأُ نَأْمَةَ الأنفاسِ
تلقاهُ يقرأُ كلَّ ما هوَ ساكنٌ
في العُمقِ من أرواحِ كلِّ الناسِ
تلقاهُ يقرأُ في العيونِ شُعاعَها
ومن الصدورِ سرائرَ الأقداسِ
تلقاهُ يقرأُ في الضمائرِ حالَها
فيُحِبُّ.. يفرحُ.. يشتكي.. ويُواسي
(حسُّونُ).. عَلِّمْنِي القراءةَ حُرَّةً
إنِّي حبيسُ قِراءةِ الكُرَّاسِ
هَبْنِي عن الحِسِّ المُعَمَّقِ (منهجًا)
يكفي، و(فَصلًا) في النقاء (دراسي)
وتعالَ;َ نبحرُ حيث ذاتُكَ أبحرتْ
في الطُّهرِ، دونَ سفينةٍ ومَراسي
يا عاكفًا في معبدٍ من صَمتِهِ
مُتَوَحِّدًا بمشاعرٍ وحَوَاسِ
خُذْنِي لعالمِكَ الطَّهور، فإنني
مُتَبَرِّمٌ من عالم الأرجاسِ
وأنا كذلكَ لم أزلْ مُتَوَحِّدًا
بالخلقِ، عبرَ محبةٍ ومَآسي
لا شاعرٌ إلا مريضُ تَوَحُّدٍ
حيثُ التَوَحُّدُ منبعُ الإحساسِ
******
جاسم الصحيح



