أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إيران بعد الحرب.. أزمة التقليد والسلطة

محرر صُبرةالخميس 7 مايو 2026، 9:05 ص
إيران بعد الحرب.. أزمة التقليد والسلطة

حبيب محمود

الحرب العسكرية؛ ربما انتهت، وهذا ما يأمله سكان المنطقة الخليجية، عرباً وعجماً. بيد أن حرباً غير عسكرية؛ ربما بدأت في مجتمع النظر الفقهي والسياسي الشيعي، في داخل إيران، وفي محيط الحوزات العلمية المؤثرة خارج إيران.

الجمهورية الإسلامية التي وُلدت من رحم ثورة قادها فقيه، وأُديرت لعقود تحت سلطة فقيه آخر، تبدو اليوم أمام لحظة مختلفة تمامًا؛ لحظة قد تنتقل فيها القيادة العليا من “الشرعية الفقهية” إلى “الشرعية السياسية” الخالصة. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بمن يحكم إيران، بل بطبيعة النظام نفسه، وبالأساس النظري الذي قامت عليه فكرة “ولاية الفقيه” منذ 1979.

ذلك أن روح الله الموسوي الخميني (1902 ـ 1989) لم يكن مجرد قائد ثوري؛ بل كان مرجعًا دينيًا وفقيهًا مشهودًا له بالاجتهاد منذ العام 1962 بإجازة من مرجع كبير، وقتها، هو آية الله شريعتمداري (1905 ـ 1986)، وهو ما منح الثورة بُعدها العقدي، وربط السلطة السياسية بالمشروعية الفقهية.

وحتى حين انتقلت القيادة إلى السيد علي خامنئي (1939 ـ 2026)، بقي رأس النظام ــ رغم الجدل الفقهي الذي رافق صعوده ــ داخل الإطار الديني التقليدي، بما يحفظ الصلة بين الدولة والحوزة.

لكن المعضلة التي تلوح اليوم أكثر تعقيدًا.

فإذا انتقلت السلطة إلى شخصية لا تحمل الثقل الفقهي نفسه، ولا تنتمي إلى طبقة المراجع المجتهدين، فإن الجمهورية الإسلامية ستكون أمام تحوّل تاريخي عميق: من نظام يقوم ــ نظريًا ــ على “ولاية الفقيه”، إلى نظام ذي بنية سياسية محضة، تستند شرعيته إلى مؤسسات الدولة والأمن والقوة، أكثر مما تستند إلى المرجعية الدينية.

وربما يكون هذا التحول قابلًا للتفسير داخل إيران، من زاوية “المصلحة الوطنية” وضرورات استقرار الدولة، خصوصًا لدى قطاعات ترى أن بقاء النظام وتماسكه أولوية تتقدم على النقاشات الحوزوية التقليدية. لكن الصورة تختلف كثيرًا خارج إيران.

فهناك ملايين من المقلدين الشيعة الذين لا ينظرون إلى المرجعية بوصفها عنوانًا سياسيًا، بل بوصفها علاقة تعبّد والتزام ديني يومي. هؤلاء لا يرتبطون بالمرجع عبر الخطاب السياسي، بل عبر منظومة كاملة من الطاعة الفقهية: الفتوى، وأحكام العبادات والمعاملات، وربما الخُمس، والإجازات الشرعية، والحقوق الدينية، ومسائل التقليد التي تُبنى ــ في الوعي الحوزوي ــ على شرط الاجتهاد والعدالة والأعلمية.

وبالنسبة إلى هذه البيئة؛ فإن “الفقيه” ليس مجرد حاكم، بل مرجع تقليد محتمل، أو على الأقل شخصية تستمد شرعيتها من انتمائها إلى البنية الفقهية التقليدية. ولذلك؛ فإن انتقال مركز القرار إلى شخصية لا تحمل هذا الثقل العلمي قد يخلق فجوة نفسية وفقهية عميقة، خصوصًا لدى الجماعات الشيعية خارج إيران، التي تتعامل مع المرجعية باعتبارها امتدادًا للتكليف الشرعي، لا مجرد عنوان للدولة.

ومن هنا؛ فإن القضية لا تتعلق فقط بمستقبل السلطة في طهران، بل بمستقبل العلاقة بين الجمهورية الإسلامية وامتدادها العقائدي خارج حدودها.

ذلك أن جزءًا كبيرًا من التأثير الإيراني في العالم الشيعي لم يُبنَ على القوة العسكرية وحدها، بل على صورة النظام بوصفه “دولة يقودها فقيه”. أما إذا تراجعت هذه الصفة، فإن العلاقة قد تعود تدريجيًا إلى إطارها السياسي الصرف: دولة قوية ومؤثرة، لكنها لا تمثل بالضرورة المرجعية الدينية التي يدفع لها المقلد خُمسه، ويأخذ عنها تكليفه الشرعي، ويربط بها التزامه التعبدي.

وهنا تتبدى الأزمة الأعمق.

فالجمهورية الإسلامية تستطيع أن تتحول سياسيًا، وربما تنجح أمنيًا وإداريًا في إدارة هذا التحول، لكن السؤال الأصعب يبقى:

كيف ستتعامل البيئة المذهبية العابرة للحدود مع نظام لم يعد رأس هرمه “فقيهًا” بالمعنى التقليدي الذي قامت عليه نظرية ولاية الفقيه نفسها؟

لقد جمعت إيران طوال عقود بين العمامة والدولة، وبين الثورة والمؤسسة. لكن السؤال الذي يقترب اليوم ليس سؤال خلافة سياسية فحسب، بل سؤال هوية:

هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبقى “جمهورية ولاية فقيه”، إذا أصبح الفقه نفسه خارج قمة الهرم؟