أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولاً 4 | قضاء الصلاة: واجب أم مستحب؟

محمد السيدالجمعة 8 مايو 2026، 8:30 ص
القرآن أولاً 4 | قضاء الصلاة: واجب أم مستحب؟

الشيخ علي الفرج

في مقام الشك في وجوب قضاء الصلاة، لا بد أولا من الرجوع إلى الأصل العملي؛ فإن القضاء حكم حادث يتوقف على ثبوت دليل مستقل وأمر جديد، ولا يكفي فيه ثبوت أصل التكليف بالأداء؛ لأن وجوب الأداء لا يستلزم بنفسه وجوب القضاء بعد خروج الوقت. والأصل عدم الاشتغال بما لم يثبت بدليل آخر، فمع عدم قيام دليل خاص على وجوب القضاء يكون المرجع هو أصالة البراءة، القاضية بعدم ثبوت التكليف الزائد، فيحكم بعدم وجوب القضاء في مورد الشك.

هل يوجد قضاء الفوائت قرآنياً؟

من المعلوم أن القرآن الكريم قد أكد على توقيت الصلوات بأزمنة خاصة، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (هود 114)، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (الإسراء 78)، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء 103). فهذه الآيات ظاهرة في بيان أوقات الأداء، لا في تشريع القضاء خارج الوقت.

وأما قضاء الصلاة، فبعد الفحص في الآيات ـ بحسب ما يظهر لنا ـ لا نجد نصا قرآنيا صريحا يدل على وجوبه، وإنما استند الفقهاء في إثباته إلى الروايات أو الإجماع أو أصالة الاشتغال.

وبناء على مسلك «مرجعية القرآن»، حيث يشترط في إثبات الأحكام الإلزامية وجود دليل قرآني، فإن عدم وجود نص قرآني يدل على وجوب القضاء يكون كاشفا ـ عند أصحاب هذا المبنى ـ عن عدم ثبوت الوجوب، فتحمل الروايات الواردة في القضاء على الاستحباب أو الإرشاد، لا على الوجوب.

أدلة القائلين بوجوب القضاء

الدليل الأول: الكتاب الكريم

استدل على وجوب قضاء الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه 14)، بتقريب: أن الأمر بإقامة الصلاة ظاهر في الوجوب، وهو مطلق من جهة الزمان، إذ لم يقيد بوقت خاص في نفس الآية، فيشمل بإطلاقه حالتي الأداء والقضاء. فمع فوات الصلاة في وقتها تبقى الذمة مشغولة بها، لعدم تحقق الامتثال، فيستصحب بقاء الاشتغال، ويجب الإتيان بها خارج الوقت بعنوان القضاء.

ويرد عليه: إن التمسك بإطلاق الآية محل تأمل؛ لأن الآية ليست في مقام البيان من جهة الزمان، وإنما سيقت لبيان أصل وجوب الصلاة وغايتها، لا لبيان سعة الوقت وضيقه أو شمول الحكم للقضاء.

وكذلك إن النصوص القرآنية الكثيرة دلت على توقيت الصلاة بأوقات خاصة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾،

فلو تم الإطلاق في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، فإنه يقيد بهذه الآيات، فينصرف الأمر إلى الإتيان بالصلاة في وقتها المحدد، أي إلى الأداء دون القضاء.

وكذلك أيضا إن المتفاهم العرفي من الأمر بإقامة الصلاة هو الإتيان بها في وقتها، لا مطلق الإتيان بها ولو بعد خروج الوقت، ومع الشك في انعقاد الإطلاق لا يتم الاستدلال به.

الدليل الثاني: روايات أهل البيت (عليهم السلام)

استدل السيد الخوئي وكثير من الأعلام على وجوب القضاء بالروايات الواردة في هذا الباب، سواء في الفوت العمدي أو السهوي أو الجهل قصورًا أو تقصيرًا.

ومنها: صحيحة زرارة: «قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: يقضي ما فاته كما فاته…» الوسائل ٨ / ٢٦٨.

وصحيحة زرارة والفضيل «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها… فإن استيقنت فعليك أن تصليها في أي حالة كنت» الوسائل ٤ / ٢٨٢.

وما رواه الكليني في الكافي عن زرارة: «أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي صلوات لم يصلها، أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار» الوسائل ٨ / ٢٥٦.

فإن ظاهر الأوامر في مثل «يقضي ما فاته»، و«فعليك أن تصليها»، و«يقضيها إذا ذكرها» هو الوجوب؛ لأن الأمر عند الإطلاق يحمل على الوجوب ما لم تقم قرينة على خلافه.

وقد ذكر السيد الخوئي (قدس سره) أن هذه الروايات من أوضح الأدلة على وجوب القضاء؛ لأنها بصدد بيان الوظيفة الفعلية بعد الفوت، فتدل بالمطابقة على لزوم الإتيان بالصلاة خارج الوقت بعنوان القضاء. المستند في شرح العرة الوثقى ١٦ / ٧٠

وعلى مسلك مرجعية الروايات يكون المترجح حمل هذه الأوامر على الوجوب؛ إذ لا قرينة فيها على الاستحباب.

أما بناء على مسلك «مرجعية القرآن»، فلا يتمسك بإطلاق الروايات لإثبات حكم إلزامي لم يرد به نص قرآني، بل تحمل ـ على هذا المبنى ـ على الاستحباب أو الإرشاد.

الدليل الثالث: الإجماع والتسالم

استدل أيضا بإجماع الإمامية وتسالمهم على وجوب قضاء الصلاة، حتى عد من الواضحات الفقهية.

إلا أن هذا الإجماع مدركي؛ إذ يحتمل استناد المجمعين إلى الروايات نفسها، فلا يكون دليلا مستقلا، وإنما يعد مؤيدا لما دلت عليه النصوص.

وعلى مبنى مرجعية القرآن لا يكون الإجماع حجة مستقلة أو مؤيدة إذا لم يستند إلى دليل قرآني.

الدليل الرابع: قاعدة الاشتغال

وحاصله: أن الذمة إذا اشتغلت بالتكليف يقينا فلا تبرأ إلا باليقين، فمع فوات الصلاة يبقى الاشتغال، ولا يحصل الفراغ إلا بالقضاء.

ويرد عليه: بأن التكليف بالصلاة قد جعل ضمن وقت خاص، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، فمع خروج الوقت ينتهي موضوع التكليف، ولا يثبت بقاء الاشتغال بعده، فلا مجال لتطبيق قاعدة الاشتغال؛ لأنها فرع إحراز بقاء التكليف، وهو غير ثابت.

النتيجة

بناء على مسلك مرجعية الروايات، تكون الروايات ظاهرة في وجوب قضاء الصلاة، سواء كان الفوت عمداً أو سهواً أو جهلاً.

وأما بناء على مسلك مرجعية القرآن، فحيث لا يوجد ـ بحسب هذا الفهم ـ نص قرآني صريح يدل على وجوب القضاء، فلا يثبت الوجوب، وتحمل الروايات على الاستحباب أو الإرشاد إلى رجحان التدارك.

ويكون ترك الصلاة في وقتها من المحرمات العظيمة، أما القضاء بعد خروج الوقت فلا يثبت وجوبه عند أصحاب هذا المبنى.

تنبيه

إن القول بعدم وجوب قضاء الفوائت المتراكمة لسنوات طويلة قد يفتح باب التوبة أمام كثير من الناس؛ لأن الإحساس بثقل القضاء وكثرته قد يكون مانعا نفسيا من الرجوع، فإذا فهم عدم الوجوب سهلت التوبة والإنابة، مع بقاء حرمة ترك الصلاة في وقتها وعظم خطرها.