أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

البارجة.. أول “مول” في القطيف عمر وقفيته 372 سنة

صُبرةالسبت 9 مايو 2026، 10:00 ص
البارجة.. أول “مول” في القطيف عمر وقفيته 372 سنة

أوقفه جدّ أسرة آل عبدالحي لابنه وذريته من الذكور بشهادة 9 شخصيات

القطيف: زينب آل محسن

في العام 1982م؛ عرفت القطيف أول مجمّع تجاري مغلق مكيّف. مجمّع “البارجة في مدينة سيهات. لكن ليست هذه قصتنا. بقيت “البارجة” ناشطة تجارياً سنواتٍ طويلة، إلى أن تراخى الناس عنها، بدخول منافسات السوق. وليست هذه قصتنا أيضاً.

ثمّ تحوّل المبنى إلى مقرّ مدرسة وروضة أهلية لسنواتٍ طويلة.. وليست القصة هنا. وفي الأسابيع الأخيرة؛ انتشرت مقاطع فيديو تودّع المبنى التعليمي الذي بدا خالياً من ضجيج الطلاب ولهو الأطفال.. وهذا لا علاقة له بقصة “صُبرة” هنا كذلك.

مجمع البارجة من الداخل في الثمانينيات

لا يجوز بيعه

القصة هي أن “البارجة”؛ كان اسماً لبيتٍ كبيرٍ جداً في قلعة القطيف. نُزعت ملكيته من آل عبدالحي، ضمن مشروع إزالة القلعة في السنة نفسها 1982 ـ 1402.

والمهم في القصة هو أن البيت لا يجوز بيعه ولا التصرّف فيه إلى يوم القيامة، إلا في حالة استثنائية؛ هي إيجاد عوض عنه. والسبب هو أنه موقوف وقفاً خاصاً بآل عبدالحي، منذ العام 1075هـ. وحين نُزعت ملكيته؛ ذهب ثمنه إلى مشروع استثماري مثّل امتداداً وعوضاً للوقف “الذرّي” الذي أسسه الشيخ ناصر بن الشيخ عبدالله بن الشيخ يحيى..!

المبنى الخالي

ما أثار حنين الناس في إخلاء البارجة/ المدرسة، والبارجة/ السوق؛ كُتب مصيره بشهادة 9 شخصيات قطيفية في يوم 6 من شهر شعبان قبل 372 سنة..! وهو مصيرٌ مشترك مع 3 بساتين من أثرى بساتين القديح والبحاري، وهذه قصص سوف ترويها “صُبرة”، في وقت لاحق.

أما قصة اليوم؛ فهي خاصة بالبارجة/ البيت الكبير جداً، الذي صمد 327 سنة، في قلب “مسورة” القطيف الأشهر، القلعة.

أخذ بيت آل عبدالحي اسمه “البارجة” من تشبيهه بالسفينة الكبيرة، فقد كان يقع على مساحة تُقدّر بنحو 2000 متر مربع، متكاملاً بثلاثة أدوار وسطح واسع، ونوافذ طويلة تسمح للضوء والهواء بالدخول، في زمن كانت فيه العمارة تستجيب للبيئة قبل أي شيء.

البارجة القلعة الواجهة الخارجية

إحدى واجهات البيت في القلعة كما يظهر من أحد الممرات

صورة من داخل المبنى (أرشيف عبدالرسول الغريافي)

السفينة الطينية

ويشير المهتم بالعمارة المحلية المصور الفوتوغرافي إسماعيل هجلس، إلى أن «البارجة» في أصلها مصطلح يُستخدم عالمياً للسفن الكبيرة، لكن أهل القلعة أعادوا تعريفه بطريقتهم، ليصبح وصفاً مجازياً لبيتٍ بدا كأنه يطفو وسط النسيج العمراني. وهو، في رأيه، مثال على قدرة المجتمع المحلي على ابتكار مفرداته التي تختزن الذاكرة والمعنى.

إسماعيل هجلس

قصر.. لعائلتين

وبحسب ما جمعه براء عبدالرزاق عبدالله آل عبدالحي، وهو من أحفاد ساكني «البارجة»، من روايات عن والده و أعمامه؛ فقد كان البيت أقرب إلى قصر منه إلى مسكن تقليدي، بل كان أكبر بيت في القلعة. ضم ثلاثة أقسام سكنية، وإسطبلين للخيل، ومطبخاً خارجياً، ومجلسين للقراءة والتجمع.

وفي زواياه، كانت الحياة تُدار بتفاصيل دقيقة: مستودعات «چندود» لتخزين التمور والمؤن، وبئر ماء «رجية»، ونظام صرف ظل يعمل طوال فترة استخدام المبنى. كل ذلك يعكس مستوى متقدماً من الرفاه المعيشي، قياساً بأزمنة استخدامه.

المرحومان الأخوان عبدالله وسعود آل عبدالحي

براء آل عبدالحي

وقد انقسمت «البارجة» إلى قسمين رئيسين سكنتهما عائلتا عبدالله وسعود من آل عبدالحي، في نموذج يجمع بين العيش المشترك والاستقلال داخل البيت الواحد. ولم تقتصر وظيفتها على السكن؛ فقد احتضنت مجالس القراءة الحسينية في محرم، وسلوك الناس في الاجتماعات العائلية والاجتماعية.

الوثيقة التاريخ

يعود أقدم توثيق مكتوب لـ«البارجة» إلى عام 1075هـ، حسب إفادة العائلة، وـ أيضاً ـ حسبما توصل إليه استقصاء “صُبرة”، ما يكشف عمق حضورها في تاريخ المكان. وتنشر الصحيفة صورة وثيقة سبق أن نشرها الشاعر والكاتب سعود الفرج في كتابه “العوامية”، كما نشرتها مجلة “الواحة”، في العدد الصادر في شتاء 2010، وقد حققت المجلة نص الوثيقة التي تمثّل السند الشرعيّ لوقف المنزل/ البارجة و3 بساتين..

وثيقة الوقف سنة 1075هـ

يقول نصّ الوقف:

مضمونه الناظر بالصواب، ومكنونه الخال (الخالي) عن الشك والارتياب؛ هو أن عمدة أهل المفاخر وبدر سماء دوي (ذوي) الفضايل والمآثر الشيخ الطاهر والبحر الثاقب الظاهر الشيخ ناصر ابن الأقدس الشيخ عبد الله ابن المرحوم الشيخ يحيى بن عبد المحسن، قد وقف على ابنه لصلبه الممجّد، ولجناب الأرفع الأحمد، الشيخ بهاء محمد ابن الشيخ ناصر المذكور، جميع ثلاثة النخيل المسمى (المسماة) لحطيبي (الحطيبي) بسيحة لقديح (القديح)، والنخل المسمى بالمسافري بسيحة البحاري، والنخل المسمى بالخلفية بسيحة لحشفية (الحشيفية) والبيت سكناه، عليه وعلى أولاده وأولاد أولاده من الدكور (الذكور) خاصة، وهكذا، وطبقة (والطبقة) العليا تمنع طبقة (الطبقة) السفلى فالعياد (فالعياذ) بالله، فإن انقطع نسل الأولاد فعلى طلبة العلم (في) القطيف، وقفاً مؤبداً إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وقفاً صحيحاً شرعياً مرضياً واقعاً بالرضى والاختيار، وحرر ذلك يوم السادس من شهر شعبان، سنة ١٠٧٥ الخامسة والسبعين والألف.

عدد مجلة الواحة سنة 2010

الشهود التسعة

وبحسب إفادة العائلة فإن “البارجة” هي ما عرّفه نص الوقف بـ “البيت سكناه” الذي انتقلت منافع وقفه جيلاً بعد جيل، في العائلة، حتى نزع ملكيته، ومن ثمّ تأسيس مشروع استثماري عوضاً عن عين الوقف المنزوعة ملكيته في القلعة.

وثيقة الوقف حظيت بشهادة 9 شخصيات في القطيف قبل 372 سنة. وبحسب تحقيق مجلة الواحة؛ فقد تمّ تذييل وثيقة الوقف وتهميشها، وكتب كلّ شاهد شهادته، على النحو التالي:

١- الأمر كما دكر (ذكر فيه)، وحكمت بصحته، حرره الأقل محمد بن عبد الله بن يحيى القاضي بالخط المحمي انشاء (إن شاء) الله تعالى عفى (عفا) عنهم بمنه وكرمه.

٢- ما ذكر فيه ومسطّر صح لدى الضعيف إبراهيم بن حمد المولى قضاء القطيف الحمية عفى (عُفي) عنهما.

٣- حرر الوقف المدكور (المذكور) على ضمين بمحضر من الأقل عبد الحسين بن حسن بن عبد المحسن الخطي عفى (عفا) عنهم بمنه تعالى آمين.

٤- حضر لذلك الشيخ محمد بن عبد الإمام بن عبد الإمام عفى (عفا) عنه، وكتب عنه بادنه (بإذنه).

٥- بمحضر الأكرم عبد الله بن عثمان بن غيث.

٦- وأشهد به وأنا الأقل عبد الله بن احمد بن عبد الله الماحوزي، شهر شعبان.

٧- أقر الشيخ الأجل الأنبل الأسعد الأرشد الشيخ ناصر ما تضمنته هذه الوقفية بمحضر من الأقل الجاني عبد النبي بن محمد بن سليمان البحراني عفى (عفا) عنه.

٨- الأكرم عمران بن حمام بن نينفه.

٩- مضمون ما في هذه الوقفية شهد به الأقل عبد الله بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن عباس الخطي عفى (عفا) عنهم.

( صورة الوثيقة)

واجهة مجمع البارجة في سيهات

السلالم الكهربائية داخل المجمع

فكرة امرأة من العائلة

ويذكر براء آل عبدالحي أن فكرة تسمية المجمع التجاري جاءت بمبادرة من الحاجة فتحية حسن الغانم، زوجة عبدالقادر آل عبدالحي، ليعود الاسم إلى التداول عبر المجمع، بعد زواله بزوال مبنى القلعة.

يضيف: عند افتتاح المشروع، لم يكن الاحتفاء به اقتصادياً فقط، بل عاطفياً أيضاً، بوصفه واحداً من أوائل المجمعات التجارية في المنطقة، وحاملاً لذاكرة ممتدة إذ كانت البارجة في سيهات وقفاً يمتد عمره إلى نحو 373 عاماً، حاملاً في ذاكرته إرثاً يتجاوز حدود المبنى ووظيفته.

ولم تتوقف الحكاية عند «البارجة». فالعائلة واصلت استدعاء ذاكرة المكان عبر أسماء أخرى، لم تُستخدم الذاكرة للحنين فقط، بل لتُبنى عليها مشاريع جديدة، تحفظ الاسم وتمنحه وظيفة معاصرة. وهكذا، تظل القطيف قادرة على أن تروي قصتها… حتى وهي تتغير.

بلدات:القطيف