منصور آل مدن.. العائد من أرامكو إلى إرث الوالدة

الجارودية: فرح السيسبان
لم يكن “منصور آل مدن” يبحث عن لفت الأنظار حين عاد إلى الخوص، عاد لأنه لم يستطع أن ينسى.
في السنوات الأخيرة، صار حضوره يتكرر في الفعاليات التي تعنى بالحرف اليدوية والأسر المنتجة في القطيف.

زبيل طويل لغطاء مبرد الماء
لا يقدّم نفسه كثيرًا، ولا يحتاج إلى ذلك. يكفي أن يجلس أمام خوصه، حتى تبدأ الحكاية.
هناك، بين الزوّار، تكشّفت ملامح رجلٍ لم يعد يكتفي بأن يكون متفرجًا على تراثه، بل قرر أن يحمله بيديه، ويعيد تشكيله قطعةً قطعة.
بدايته لم تكن درسًا تقليديًا، ولا تدريبًا منظّمًا. كانت أقرب إلى مشهدٍ منزلي هادئ؛ طفل يراقب والدته وهي “تسفّ” الخوص. لم تكن تشرح، لكن يديها كانتا تعلّمان. كان يلاحظ كيف تتداخل السعفات، كيف تتحول من شيءٍ بسيط إلى قطعةٍ متماسكة، وكيف يحتاج الأمر إلى صبرٍ أكثر من أي مهارة أخرى.

خصفة (ظرف التمر)
ذلك المشهد لم يغب.
حتى حين أخذته الحياة بعيدًا، وعمل سنوات طويلة في شركة أرامكو السعودية، ظل الخوص حاضرًا في مكانٍ ما داخله. لم يكن يمارسه، لكنه لم ينسه. كان مؤجلاً فقط، ينتظر لحظة العودة.
وحين جاء التقاعد، لم يبحث عن وقتٍ ليمضيه… بل وجد وقتًا ليستعيد ما فاته. عاد إلى الخوص كأنما يعود إلى بيته القديم. لم يبدأ من الصفر، بل من الذاكرة. جلس، جرّب، أخطأ، ثم استعاد الإيقاع الذي تعلّمه صغيرًا، حتى صارت يده تعرف الطريق من جديد.

جديلة خوصية طويلة
عمله اليومي مع الخوص ليس مجرد حرفة، بل طقس طويل. يبدأ من أبسط التفاصيل: اختيار السعف المناسب، ثم نقعه في الماء حتى يلين. يعرف أن الخوص الجاف لا يُطاوِع، وأن القسوة تُفسده. الماء هنا ليس خطوة عابرة، بل بداية التحوّل.
بعد ذلك، تبدأ الجدائل.
خيوط طويلة تُنسج بهدوء، تمتد وتلتف، ثم تأتي مرحلة الخياطة التي تجمع كل شيء في شكلٍ نهائي. ساعات طويلة تمرّ، قد تصل إلى خمس عشرة ساعة لقطعة واحدة، لكنها تمرّ بلا استعجال. فالعمل هنا لا يُقاس بالسرعة، بل بالإتقان.

زبيل وخبازية
ومع الوقت، صار للخوص عنده تصنيفات واضحة، كأنها عوالم صغيرة داخل حرفة واحدة.
هناك “اليوسفي”، الناعم، الذي يليق بالقطع الجمالية والزينة.
وهناك “العدني”، القوي، الذي يُستخدم لصناعة “الخصفة” القادرة على حمل أوزان ثقيلة.
ثم “البارية”، التي تمتد لتصنع الحصير والمراوح، وتحتاج أسلوبًا مختلفًا في السف يغطي مساحات أوسع.
حتى القياس له طريقته الخاصة. لا مسطرة ولا أرقام جامدة، بل “الباع”… امتداد الذراعين. كأن الجسد نفسه صار جزءًا من الحرفة، لا مجرد أداة تعمل بها.

سفرة عمرها أكثر من 40 سنة
وحين يصل العمل إلى مرحلة اللون، تتغير الأجواء.
يصفها آل مدن ببساطة تشبه الحياة اليومية: “كطبخ الأرز”. ماء يغلي، تُضاف إليه الأصباغ، ثم يُغمس الخوص في الداخل. ساعة أو أكثر وهو يتشرّب اللون، قبل أن يخرج إلى الشمس ليجفّ، حاملاً ملامح جديدة دون أن يفقد روحه الأولى.
لكن، خلف هذا الجمال، يقف تحدٍّ صامت.
المنتج المحلي، بكل ما يحمله من جهد ووقت، يواجه منتجات مستوردة أرخص وأسرع. كثيرون يختارون السعر، دون أن يروا الفارق الحقيقي. لا يرون الساعات الطويلة، ولا الدقة، ولا اليد التي صنعت.
آل مدن لا يهاجم هذا الواقع، لكنه يعرفه جيدًا.

مروحية خوصية
يعرف أن الحرفة لا تعيش فقط بالمهارة، بل بمن يقدّرها أيضًا.
ومع ذلك، يستمر.
في كل فعالية، في كل لقاء، يجلس بهدوء، ينسج أمام الناس. بعضهم يشتري، وبعضهم يكتفي بالمشاهدة، وآخرون يسألون. وهناك من يحاول أن يتعلم، ولو جزءًا صغيرًا. لكنه يؤمن أن الحرفة لا تُؤخذ مجزأة؛ هي رحلة كاملة، تبدأ من السعفة، ولا تنتهي إلا حين تصبح قطعةً تحمل روح صاحبها.

استخدام القفة لوعاء نبتة
هكذا، دون ضجيج، يصنع “منصور آل مدن” ما هو أكثر من منتجات خوصية.
هو يصنع ذاكرة… ويتركها في أيدي الناس.

حضار (سياج من السعف)












