أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأجساد مجتمعة والقلوب على اتصال بعيد

محرر صُبرةالجمعة 8 مايو 2026، 9:03 ص
الأجساد مجتمعة والقلوب على اتصال بعيد

نزار المصطفى

في المساء، تجتمع الأسرة تحت سقفٍ واحد، لكن الأرواح لا تجتمع؛ الأب يحدّق في هاتفه، والأم تسبح في عالمٍ آخر، والابن يبتسم لشاشةٍ لا نعرف من فيها، والابنة تضحك لصوتٍ يأتي من أقصى الأرض، بينما الصمت يتمدّد في البيت كأنه فردٌ خامس من أفراد العائلة. الأجساد متقاربة… أما القلوب فبعيدة، كأن بينها بحارًا لا تُرى.

هذه هي العزلة الرقمية؛ الظاهرة التي لم تقتحم بيوتنا عبر الأبواب، بل دخلت بهدوءٍ عبر الشاشات الصغيرة، حتى أصبحت تُعيد تشكيل العلاقات الإنسانية من الداخل، دون ضجيج. لم تعد المشكلة أن الناس لا يجلسون معًا، بل أن الجلوس نفسه فقد معناه؛ فالعيون على الأجهزة، والأصابع تتحرك أكثر من المشاعر، والحوار العائلي الذي كان يومًا دفئًا يوميًا صار مناسبةً نادرة.

لقد كانت الأسرة — في مجتمعنا — مساحةً للحكاية، والسؤال، والمشاركة، والتربية غير المباشرة. كان الأب يعرف تفاصيل أبنائه من نظراتهم، وكانت الأم تلتقط تعبهم من نبرة الصوت، وكان الإخوة يتشاجرون ثم يتصالحون في اليوم ذاته، لأن الحياة كانت تُعاش وجهًا لوجه، لا عبر إشعاراتٍ صامتة ورسائل مختصرة. أما اليوم، فقد أصبح كل فرد يحمل عالمه الخاص في يده، ويغلق بابه الداخلي على نفسه، حتى وهو جالسٌ بجوار أقرب الناس إليه.

إن أخطر ما في هذه العزلة أنها لا تبدو عزلة؛ فالبيت مزدحم، والهواتف مشتعلة، والضحكات أحيانًا تتكرر، لكن الروابط الإنسانية تذبل ببطء. يقلّ الحوار الحقيقي، وتضعف مهارة الإصغاء، ويصبح التعبير عن المشاعر أكثر صعوبة، حتى تنشأ أجيال تعرف كيف تتواصل مع الغرباء في العالم الرقمي، لكنها تعجز عن الحديث العميق مع أفراد أسرتها.

ثم تمتد الآثار إلى المجتمع كله؛ فحين تضعف الأسرة يضعف المجتمع تلقائيًا، لأن الأسرة ليست مجرد تجمع سكني، بل المصنع الأول للقيم والرحمة والانتماء. العزلة الرقمية تُنتج أفرادًا أكثر توترًا، أقل صبرًا، وأضعف قدرةً على بناء العلاقات الواقعية. ومع الوقت، تتسع الفجوة بين الأجيال، ويشعر كبار السن بأنهم غرباء داخل بيوتهم، بينما يغرق الأبناء في عوالم لا يعرف الآباء عنها شيئًا.

ولا يعني هذا إعلان الحرب على التقنية؛ فهي نعمةٌ حين تُستخدم بوعي، لكنها تتحول إلى خصمٍ صامت حين تستولي على الوقت والمشاعر معًا. المشكلة ليست في الهاتف ذاته، بل في اللحظة التي يصبح فيها أقرب إلينا من أهلنا، وأكثر حضورًا من أصوات من يعيشون معنا.

إن العلاج لا يبدأ بالمنع والقسوة، بل بإعادة إحياء المعنى الإنساني داخل البيت. أن تعود مائدة الطعام مكانًا للحوار لا للشاشات، وأن تُخصَّص ساعاتٌ عائلية خالية من الهواتف، وأن يستعيد الآباء والأمهات دورهم في الإصغاء لا في المراقبة فقط. كما أن على المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية أن تفتح نقاشًا جادًا حول هذه الظاهرة، لا بوصفها مشكلة تقنية، بل بوصفها قضيةً اجتماعية تمسّ مستقبل العلاقات الإنسانية نفسها.

نحن لا نخسر الوقت فقط أمام الشاشات، بل نخسر شيئًا أعمق: دفءَ الالتفاتة، وعفوية الحديث، وتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع روح الأسرة. وإذا استمرت العزلة الرقمية في التمدد، فقد يأتي يومٌ تصبح فيه البيوت عامرةً بالأجهزة… وفقيرةً بالإنسان.