حين كان الباب لا يغلق

نزار المصطفى
في القطيف…
لا يحنّ الناس إلى الماضي لأن بيوتهم كانت أجمل، ولا لأن الحياة كانت أيسر، ولا لأن الزمن القديم كان خاليًا من التعب والفقد والحرمان.
بل لأن الإنسان هناك كان يشعر — رغم قسوة الحياة — أنه أقلُّ وحدة.
هذه هي الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا.
فالحنين في مجتمع القطيف ليس حنينًا إلى “الزمن” بقدر ما هو حنينٌ إلى “الإنسان” الذي كان يسكن ذلك الزمن.
إنه حنينٌ إلى العلاقات قبل أن تصبح المواعيد إلكترونية، وإلى المجالس قبل أن تتحول الحياة إلى شاشات، وإلى الوجوه التي كانت تدخل بلا استئذان، وتغادر بعد أن تترك شيئًا من الطمأنينة في الروح.
لقد أصبح الماضي عند أبناء القطيف يشبه قريةً داخل القلب، كلما اشتدّ صخب الحاضر عادوا إليها، كما يعود البحّار المتعب إلى المرفأ القديم.
ومن يتأمل أحاديث الناس في المجالس، أو رسائل الهواتف، أو اللقاءات العائلية، يكتشف أن كلمة: “أيام أول”… لم تعد مجرد عبارة عابرة، بل تحولت إلى ملجأ نفسي جماعي.
فالناس لا يكادون يجلسون حتى يبدأ استدعاء الأسماء القديمة، والأحياء القديمة، والبيوت الطينية، ورائحة البحر، ومواسم النخيل، وأصوات الباعة، وأعراس الفرجان، ومجالس الآباء، وسهرات السطوح، وأبواب البيوت التي لم تكن تُقفل إلا قليلًا.
ولماذا؟
لأن الإنسان حين يفتقد الدفء في الحاضر، يبدأ بتدفئة روحه بالحكايات.
لقد تغيّرت القطيف بسرعة هائلة خلال نصف قرن.
انتقلت من مجتمعٍ بسيط متلاصق، إلى مجتمعٍ حديث متسارع، يحمل كل مظاهر التطور، لكنه دفع — من حيث لا يشعر — أثمانًا إنسانية باهظة.
في الماضي، كانت الأسرة الممتدة تُشبه شجرة سدر عظيمة؛
الجميع تحت ظلّها: الجد، والجدة، والأعمام، والخالات، والجيران، وأصدقاء الحي.
أما اليوم، فقد أصبح الإنسان يعيش في بيت أكبر، لكنه أحيانًا يشعر أن قلبه أصغر من أن يحتمل وحدته.
كان الفقير قديمًا يجد من يسأل عنه قبل أن يطلب، وكان المريض يُزار بلا مواعيد، وكان الحزن يُوزّع على الجماعة، فلا يسقط كله على كتف فردٍ واحد.
أما اليوم، فقد ازدادت وسائل التواصل… وقلّ التواصل.
ازدادت الصور… وقلّت الألفة.
ازدادت البيوت اتساعًا… وضاقت الأرواح.
ومن هنا وُلد الحنين.
الحنين في القطيف ليس مرضًا نفسيًا كما يظن بعض الحداثيين المتعجلين، بل هو في جانب منه احتجاجٌ روحي على فقدان المعنى الإنساني في الحياة المعاصرة.
فالإنسان القطيفي ابنُ ذاكرةٍ كثيفة.
هو ابنُ بحرٍ علّمه التأمل، وابنُ نخلةٍ علّمته الصبر، وابنُ مجلسٍ علّمه الإصغاء، وابنُ عاشوراء التي جعلت الذاكرة جزءًا من التكوين العاطفي والوجداني للمجتمع.
ولذلك، فإن الماضي في وجدان أبناء القطيف ليس مجرد “زمن مضى”، بل هو هويةٌ كاملة.
ولهذا يشعر كثيرون أن الماضي كان أكثر دفئًا، حتى لو كانوا يومها أقل مالًا، وأقل رفاهية، وأقل تعليمًا.
إنهم يحنّون إلى الإحساس لا إلى الأشياء، إلى الطمأنينة لا إلى الطين، إلى الإنسان لا إلى الجدران.
لكن، هل الحنين إلى الماضي ظاهرة إيجابية؟
الجواب: نعم… ولا.
إنه إيجابي حين يكون وفاءً للجذور، وحفظًا للقيم الجميلة، واستحضارًا للأخلاق التي صنعت تماسك المجتمع، الرحمة، وصلة الرحم، والبساطة، والتكافل، واحترام الكبير، وحضور الجار، والصدق العفوي في العلاقات.
ويصبح الحنين نعمة حين يدفعنا إلى حماية ما تبقّى من روح المجتمع، لا إلى البكاء العقيم على ما انتهى.
لكنه يتحول إلى مشكلة حين يصبح هروبًا دائمًا من الحاضر، أو حين يُقدَّس الماضي حتى نكاد ننسى عيوبه، فالماضي لم يكن فردوسًا كاملًا.
كانت فيه القسوة أيضًا، والحرمان، وضيق الفرص، وهيمنة بعض العادات الثقيلة، والتعب الاقتصادي، والخوف من المجهول.
لكن الذاكرة البشرية — بطبيعتها — تُجيد ترميم الصور القديمة، وتحذف كثيرًا من الألم، ثم تعيد تقديم الماضي إلينا مغطىً بهالةٍ من الحنين.
ولهذا فإن بعض الناس لا يشتاقون إلى الماضي نفسه، بل يشتاقون إلى شبابهم الذي عاش في ذلك الماضي.
إنهم يفتقدون أعمارهم أكثر مما يفتقدون الأزمنة.
وهنا يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا “لا يمكن لمجتمع أن يعيش وهو يدير رأسه إلى الخلف دائمًا”، فالحنين إذا تضخم، قد يتحول إلى عائقٍ نفسي يمنع الإنسان من التصالح مع عصره، ويجعله يشعر أن كل جديد تهديد، وأن كل تغير خسارة.
وما العلاج؟
العلاج ليس بقتل الحنين، فهذا مستحيل.
ولا بالسخرية من الكبار حين يستعيدون ذكرياتهم، فذلك نوعٌ من الجفاء الثقافي.
بل العلاج الحقيقي هو أن نبني حاضرًا صالحًا للحنين مستقبلًا.
أن نعيد شيئًا من الروح الإنسانية إلى حياتنا الحديثة.
أن نُكثر اللقاءات الحقيقية لا الافتراضية.
أن نعيد للمجالس دفأها، وللجيرة معناها، وللعائلة اجتماعها، وللناس وقتًا يسمعون فيه بعضهم بلا استعجال.
نحتاج أن نُدخل التقنية إلى حياتنا… دون أن نُخرج الإنسان منها.
ونحتاج أن نفهم أن التطور لا يعني أن نصبح آلات ناجحة وقلوبًا متعبة.
إن أبناء القطيف لا يحنّون إلى الماضي لأنهم ضد الحاضر، بل لأنهم يخافون أن يفقدوا آخر ما تبقّى من الإنسان الجميل داخلهم.
ولعلّ أعظم ما يمكن أن نفعله اليوم، أن نأخذ من الماضي دفأه…
ومن الحاضر إمكاناته…
ثم نصنع مستقبلًا لا يضطر أبناؤنا بعد خمسين سنة أن يقولوا بحسرة “ليت الزمن يعود…”



