مجمع البارجة.. فكرة أمريكية “سَعْوَدَها” طالب دكتوراه

القطيف: زينب آل محسن
وصف الدكتور عبدالخالق آل عبدالحي تأسيس مجمع البارجة التجاري في مدينة سيهات، مطلع الثمانينيات، بأنه بادرة ريادية في المنطقة الشرقية، والبلاد السعودية عموماً.
وقال الدكتور عبدالحي إن البارجة لم يكن المجمع التجاري الأول في محافظة القطيف، بل في المنطقة الشرقية، ومن أوائل المشاريع الاستثمارية المشابهة؛ سعودياً.
وأشار إلى أنه نقل فكرتها من الولايات المتحدة إلى المملكة، عندما كان طالب دراسات عليا في العلوم السياسية.
قبل أن تصبح «البارجة» واحداً من أشهر المجمعات التجارية في المنطقة الشرقية، بعد أن كان اسما يعيش في ذاكرة مختلفة تماماً؛ بيتاً قديماً في قلعة القطيف، ووقفاً عائلياً يرتبط بسيرة المكان وأهله.

صورة من داخل البارجة في قلعة القطيف
الوقف
بارجة القلعة، كما يروي الدكتور عبدالخالق، كانت وقفاً ذرياً لعائلة آل عبدالحي، وكانت مسكنه وعائلته، عاش فيها جزءا من طفولته، ومع التحولات العمرانية التي شهدتها المنطقة آنذاك، أصبحت ضمن العقارات المشمولة بالإزالة.
التعويض المالي الناتج عن نزع الملكية وضع العائلة أمام مسؤولية جديدة؛ إذ كان المطلوب إيجاد «عِوض» يحفظ أصل الوقف واستمراره، لا مجرد مشروع استهلاكي عابر.

البدايات
في الولايات المتحدة، كان عبدالخالق آل عبدالحي يراقب شكل الحياة داخل المراكز التجارية الحديثة؛ مبانٍ تجمع التسوق والترفيه والعلاقات الاجتماعية تحت سقف واحد، وتحول السوق إلى مساحة يومية نابضة بالحياة.
هناك، تشكلت الفكرة الأولى. في تحويل أموال الوقف الخاصة ببارجة القلعة إلى مشروع اقتصادي حديث يحفظ الوقف، ويؤصل الهوية.

ذاكرة ومسيرة
عام 1983، عاد الدكتور عبدالخالق إلى المملكة بعد حصوله على الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة دنفر بولاية كولورادو، بعدما سبق له العمل عاماً معيداً لكلية التجارة ــ كلية العلوم الإدارية لاحقاً ــ قبل سفره إلى الولايات المتحدة.
لاحقاً، يواصل مسيرته الأكاديمية عضو هيئة تدريس في قسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود حتى تقاعده عام 2009، كما أصبح من الأعضاء المؤسسين للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، فيما تبقى «البارجة» التجربة الأقرب إلى ذاكرته الشخصية وعلاقته بالمدينة.

التنفيذ
في مطلع الثمانينيات، كانت تبدو فكرة المجمع التجاري متعدد الأدوار تجربة جديدة بالكامل على المنطقة الشرقية، حيث كانت الأسواق التقليدية هي المشهد التجاري السائد آنذاك.
ورغم ذلك، تمضي العائلة في التنفيذ، وتضخ أموالاً خاصة إضافة إلى قيمة تعويض الوقف، لشراء أرض المشروع في سيهات وبناء المجمع على مساحة تقارب 5000 متر مربع.
اختيار سيهات جاء، بحسب آل عبدالحي، لوقوعها بين القطيف والدمام والخبر، إلى جانب انخفاض أسعار الأراضي فيها مقارنة بالقطيف آنذاك.
الهيكل الإنشائي أُسند إلى شركة «العيسى» للمقاولات، وهي شركة كان يملكها سعودي ويديرها مقاول هولندي، فيما تولى مكتب المهندس زكي العوامي إعداد المخططات والإشراف الهندسي في المرحلة الأولى.

الأزمة
خلال التنفيذ، واجه المشروع أزمة مفاجئة كادت توقفه بالكامل.
عاد حينها الدكتور عبدالخالق آل عبدالحي من الرياض ليجد العمال مضربين، والمقاول الهولندي مختفياً، فيما توقف العمل عند هيكل إسمنتي جامد بلا تشطيبات.
في تلك اللحظة، قرر الإشراف المباشر على المشروع، وصرف رواتب العمال من أموال الوقف بدلاً من أن تذهب إلى ممثل الشركة المختفي، حتى تستمر الأعمال الإنشائية؛ إذ كان يرى “البارجة”مشروع مدينة تدخل مرحلة جديدة وتحافظ في الوقت نفسه على ذاكرتها الاجتماعية.

12 مليوناً
تحت إشرافه وخلال ثلاثة أشهر ونصف فقط، بورش عمل داخلية وتعاقدات مع شركات سعودية للتكييف والسلالم؛
تحول الهيكل الإسمنتي إلى مجمع تجاري متكامل، بتكلفة بلغت نحو 12 مليون ريال.
ثلاثة أدوار، وأكثر من 105 محال تجارية، وسلالم متحركة تعرف عليها كثير من أهالي المنطقة للمرة الأولى.
وفي مرحلة لاحقة، أضيفت اللوحات الفسيفسائية برسومات الطبيعة والآيات القرآنية، باقتراح من عميد الأسرة عبدالقادر آل عبدالحي، لتمنح المكان شخصيته البصرية المختلفة.
الانبهار
مع افتتاح «البارجة»، عاش كثير من أهالي المنطقة تجربة جديدة بالكامل.
العائلات تقصد المكان للنزهة، والأطفال يكتشفون السلالم المتحركة والنوافير للمرة الأولى، فيما توافد المستثمرون والتجار من القطيف والدمام والخبر لاستئجار المحال التجارية.
وخلال فترة قصيرة، شغل المستثمرين المحال بوتيرة متسارعة، وبلغ متوسط إيجار المحل الواحد آنذاك نحو 8 آلاف ريال سنوياً، في مؤشر مبكر على نجاح المشروع اقتصادياً.
ويشير آل عبدالحي إلى أن افتتاح «البارجة» جاء بعد رحيل والده عبدالله وعمه سعود، صاحبي «بارجة القلعة» القديمة؛ إذ توفي عبدالله عام 1965، فيما توفي سعود عام 1978، قبل أن يكمل الأبناء رحلة الاسم والوقف بصورة جديدة.

الأثر
مع مرور الوقت، تحول «البارجة» إلى مركز اقتصادي واجتماعي مبكر في المنطقة الشرقية، يجمع التسوق والنزهة والاستثمار داخل مساحة واحدة.
يستذكر آل عبدالحي أن بعض المهتمين بالعقار رأوا في البداية أن حجم الإنفاق مبالغ فيه، وأن المشروع يحمل قدراً من المغامرة، لكن السنوات اللاحقة عززت مكانة «البارجة» بوصفه واحداً من المشاريع التي فتحت الباب أمام ظهور المجمعات التجارية الحديثة في المنطقة الشرقية والمملكة.
اليوم
بعد أكثر من أربعة عقود، ما يزال اسم «البارجة» حاضراً في المشهد الاستثماري.
المبنى يُطرح حالياً للاستثمار وسط اهتمام من جهات متعددة، بينها أربع شركات أجنبية أبدت رغبتها في تطويره واستثماره.
ويؤكد الدكتور عبدالخالق آل عبدالحي أن نجاح «البارجة» لا يخص عائلة آل عبدالحي وحدها، بل يمثل تجربة تخص القطيف كلها، بوصفها من أوائل مدن المملكة التي عرفت مفهوم المجمعات التجارية الحديثة، وقدمت نموذجاً مبكراً للانفتاح على الأفكار الجديدة مع الحفاظ على الذاكرة والتراث والمكان.
اقرأ قصة البارجة الموثقة قبل 372 سنة، عبر الرابط:



