القرآن أولاً 5 | قضاء الصوم: نظرة في القرآن

الشيخ علي الفرج
قد ورد في الذكر الحكيم أصلُ وجوب الصيام على المكلّفين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. ثم خُصّص الوجوب بشهر رمضان المبارك بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ… فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].
بيّنت الآية 184 من سورة البقرة موارد الإفطار المرخّص فيه، وهي: المرض، والسفر، وحال المشقّة الشديدة (التي لا يُطاق معها الصوم إلّا بحرج)، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾.
مستفادات أصولية وفقهية من الآيات:
الأوّل: في حقيقة السفر الموجب للترخيص: ظاهر الآية الكريمة أنّ عنوان السفر متى ما تحقّق عرفاً، ترتّب عليه حكم الإفطار من دون تقييد بمسافة مخصوصة. وأمّا ما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) من تحديد السفر بثمانية فراسخ، فيُحمل ـ بحسب مبنى عدم جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد أو غيره ـ على بيان فرد متعارف للسفر، أو على الاستحباب المؤكّد. وقد سبق التحقيق في ذلك في مبحث «مرجعيّة القرآن».
الثاني: الإفطار في السفر والمرض، رخصة لا عزيمة: يظهر من التعليل القرآني ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أنّ الإفطار في هاتين الحالتين رخصةٌ وتوسعةٌ من الشارع، وليس عزيمةً. والمراد بالعزيمة: الحكم الأوّلي الثابت دون تخفيف، وبالرخصة: الحكم التخفيفي الثابت لعنوان العذر والطوارئ.
الثالث: مدلول «أطاق» وشموله للمشقة الشديدة: مادّة (أطاق) من قوله (يُطِيقُونَهُ) ظاهرة في القدرة المقرونة بالمشقّة والكلفة، أي من يتمكّن من الصوم مع تحمّل عناء زائد وحرج. فيشمل ذلك:
· من يزاول أعمالًا شاقّة لا يمكنه معها الصوم إلّا بمشقة بالغة.
· الشيخ الكبير الذي يحرج عليه الصوم.
· ساكني البلاد الشمالية التي يطول نهارها إلى ما يقارب العشرين ساعة وأكثر، حيث يصدق عليهم عنوان الحرج.
الرابع: حكم الإفطار العمدي: من تعمّد الإفطار بالأكل أو الشرب أو الجماع في نهار شهر رمضان، فقد ارتكب حراماً بلا ريب، لقوله تعالى ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ الدالّ على لزوم الإمساك وإتمام الصوم.
لكنّ الآيات المباركة لم تتعرّض لوجوب القضاء في الإفطار العمدي، لا صراحة ولا إشارة، كما لم يرد فيها ذكر الكفارة، لا إطعام مسكين واحد ولا ستين مسكيناً.
وأمّا السنّة الشريفة والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) فقد تضمّنت القضاء والكفارة في مورد الإفطار العمدي، ومن ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّداً يوماً واحداً من غير عذر، قال: «يُعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعم ستين مسكيناً، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق». الوسائل 10 : 44 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 1.
القرآن إنّما نصّ على أصل القضاء في موارد العذر (كالسفر والمرض)، وأمّا التعدّي منه إلى مورد الإفطار العمدي، فمع كونه معصية عظيمة، إلا أنّ وجوب القضاء والكفارة فيه لا يستفاد من ظاهر الآيات. وعلى مبنى من يرى عدم جواز تخصيص الآية بالرواية، فإنّ ما ورد في ذلك من روايات لا يدلّ على الوجوب، بل يُحمل على الاستحباب المؤكّد.
والله العالم بحقائق الأحكام.



