أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

الشيخ النهاش.. أبحر من القطيف حاجاً ودُفن في البحر الأحمر

محمد السيدالأحد 24 مايو 2026، 4:24 م
الشيخ النهاش.. أبحر من القطيف حاجاً ودُفن في البحر الأحمر

القطيف: صُبرة

لم تكن رحلة الحج قبل مئة عام تشبه ما يعرفه الناس اليوم.

لم تكن طريقاً معبّدة، ولا رحلة جوية تنتهي في ساعات، بل سفراً طويلاً محفوفاً بالماء والمرض والغياب. يخرج الحاج من الخليج على ظهر سفينة خشبية أو باخرة متعبة، تاركاً خلفه أهله وبلدته، وهو يعرف في داخله أن العودة ليست مضمونة دائماً.

وفي واحدة من تلك الرحلات البحرية القديمة، اختفى عالم قطيفي في البحر، وبقي اسمه في كتب التراجم والرثاء والذاكرة المحلية “الشيخ محمد علي النهّاش”.

لم يصل الرجل إلى مكة. مات في الطريق إليها.

الموت قبل الكعبة

تذكر المصادر التاريخية أن الشيخ محمد علي بن علي النهّاش خرج حاجاً عبر الطريق البحري الذي يمر بجزيرة قُمران في البحر الأحمر، وهي المحطة التي كانت تتوقف عندها سفن الحجاج القادمة من الخليج والهند واليمن قبل مواصلة الإبحار نحو الحجاز.

لكن الرحلة انتهت هناك.

فقد توفي الشيخ على ظهر السفينة، قبل أن يبلغ مكة، ثم أُلقي جثمانه في البحر، وفق ما تذكره كتب التراجم القديمة.

ويورد كتاب طبقات أعلام الشيعة أن وفاته كانت في أواخر ذي القعدة سنة 1341هـ، فيما تشير مصادر أخرى إلى سنة 1340هـ، وهو اختلاف مألوف في تدوين الحوادث البحرية القديمة، خصوصاً في الرحلات التي كانت تجري بعيداً عن التوثيق الرسمي الدقيق.

غير أن ما بقي ثابتاً في جميع الروايات، أن الشيخ القطيفي مات حاجاً في البحر.

عالم من حي القلعة

ينتمي الشيخ النهّاش إلى حي القلعة في القطيف، أحد أقدم الأحياء التاريخية في المحافظة، والذي خرجت منه أسماء علمية ودينية واجتماعية معروفة عبر القرون.

ولا تملك المصادر تفاصيل واسعة عن طفولته أو تاريخ ميلاده، لكن ما وصل عنه يكفي لرسم ملامح شخصيته العلمية؛ إذ تصفه كتب التراجم بأنه:

“عالمٌ مدرّس، من أهل الفضل المعروفين في القطيف”.

وفي تلك العبارة القصيرة، تختبئ مكانة الرجل الحقيقية.

فصفة “العالم المدرس” في ذلك الزمن لم تكن لقباً عابراً، بل تعني أن صاحبها كان جزءاً من الحلقة العلمية الفاعلة في المدينة؛ يدرّس العلوم الدينية، ويشرح المتون، ويؤهل جيلاً جديداً من طلاب العلم.

كانت القطيف آنذاك مدينة بحرية صغيرة، لكنها نشطة علمياً. لم تكن فيها جامعات أو معاهد حديثة، بل كانت المعرفة تنتقل عبر المساجد والحسينيات والمجالس العلمية، فيما يتحول بعض العلماء إلى مدارس قائمة بذاتها.

وكان الشيخ النهّاش واحداً من هؤلاء.

أستاذ لجيل كامل

لم يبق اسم الشيخ النهّاش بسبب حادثة وفاته وحدها، بل لأن أثره العلمي امتد إلى من جاء بعده.

فقد درس عليه عدد من علماء القطيف المعروفين لاحقاً، ومن أبرزهم الشيخ علي الجشي، الذي تشير سيرته إلى أنه أخذ مقدماته العلمية على يد الشيخ محمد علي النهّاش ضمن علماء القطيف في تلك المرحلة.

كما تذكر تراجم الشيخ حسين القديحي أنه تلقى جانباً من علومه عليه أيضاً.

وهذا يكشف أن الشيخ النهّاش لم يكن شخصية هامشية في المشهد الديني المحلي، بل كان حلقة علمية مؤثرة في زمن كانت فيه المعرفة تنتقل بالمشافهة والتتلمذ المباشر.

البحر الذي أخذ أبناءه

ولكي تُفهم قصة الشيخ النهّاش جيداً، لا بد من فهم البحر نفسه.

فالخليج في تلك المرحلة لم يكن مجرد جغرافيا، بل كان قدراً يومياً لأهله.

منه يخرج الغواصون بحثاً عن اللؤلؤ، وعبره يسافر التجار، وفيه يركب الحجاج رحلاتهم الطويلة نحو مكة. لكن البحر نفسه كان يبتلع كثيرين أيضاً؛ بالغرق، أو المرض، أو العواصف، أو الأوبئة التي كانت تضرب السفن المكتظة بالمسافرين.

وكانت جزيرة قُمران واحدة من أشهر محطات ذلك الطريق.

تقع الجزيرة قبالة الساحل الغربي لليمن في البحر الأحمر، وتحولت في أواخر العهد العثماني إلى محجر صحي ضخم للحجاج. وكانت السفن تتوقف هناك أياماً طويلة لفحص الركاب وعزل المصابين بالكوليرا والأوبئة قبل السماح لهم بمواصلة الرحلة.

ولهذا لم يكن اسم “قُمران” في ذاكرة الحجاج اسماً عادياً، بل اسماً مرتبطاً بالتعب والخوف والانتظار.

ومن هناك تقريباً، دخل الشيخ النهّاش آخر فصول حياته.

رثاء بقي بعده

رحيل الشيخ في البحر ترك أثراً واضحاً في الوسط العلمي والاجتماعي آنذاك، حتى إن عدداً من الشعراء والعلماء رثوه، ومن أشهرهم الشيخ فرج العمران، الذي أشار في قصيدته إلى موته في البحر على طريق قُمران.

وكان الرثاء في تلك المرحلة أشبه بوثيقة اجتماعية تحفظ أسماء الراحلين ومكانتهم، خصوصاً لمن يموتون بعيداً عن مدنهم وقبورهم.

فالشيخ النهّاش لم يعد إلى القطيف جسداً.

عاد اسماً فقط.

بلدات:القطيف