أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

علي المادح: “أرانات”.. 20 سنة لإنتاج 200 رباعية مستوحاة من القرآن

محمد السيدالأحد 24 مايو 2026، 4:01 م
علي المادح: “أرانات”.. 20 سنة لإنتاج 200 رباعية مستوحاة من القرآن

القطيف: معصومة المقرقش

“ذلك الشغف الذي يلحّ عليّ في خوض مغامرة قد تغرقني في أعماق الدهشة القرآنية، إلا أنني أرى أن هذا الغرق هو أقصى ما أطمح له”؛ بهذه العبارة يصف الشاعر علي مهدي المادح دافعه إلى إنجاز ديوانه الجديد «أرانات.. رباعيات من الدهشة القرآنية»، وهو مشروع شعري وبصري واستقصائي امتد إعداده قرابة 20 عاماً، حاول فيه إعادة إنتاج القصص القرآني في قالب رباعيات تستنطق الخيال والعلم والوجود.

ويرى المادح أن محاولة الاقتراب من الدهشة القرآنية «ابتغاء تفسيرها» تفتح باب التأويل، وتكشف «جيوب إعجازها المحكم»، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بمحدودية العقل الإنساني، الذي يحاول استيعاب ما لا يستطيع الإحاطة به علماً ومعرفة.

ويقول إن النتيجة العلمية المجردة، أو الفرضية، كانت إحدى ثمار هذه المغامرة، مضيفاً أنه حاول الإجابة عن أسئلته «من خلال الاستغراق شعراً»، على منهج من وصفهم بـ«السلف المغامر والمخاطر» في محاولة كتابة ما لا يحيط به العقل.

الشعر قارب أمين

وفي حديثه عن الموازنة بين قدسية النص القرآني وحرية الشاعر وخياله، يربط المادح بين القصص القرآني وما يدرسه الباحثون في الميثولوجيا من نصوص وأساطير قديمة، موضحاً أن القرآن ذكر كثيراً من هذه القصص، وأن الشعر قادر على حمل هذه المغامرة دون أن يدّعي تفسير النص المقدس أو محاصرته.

ويقول: «الشعر قارب أمين لهذه المغامرة»، مشيراً إلى أن أدباء العصور القديمة صاغوا أساطيرهم في قوالب شعرية وأجناس أدبية مختلفة، وأن الدخول إلى هذا العالم يشبه الجلوس «أمام معلم خبير يوحي لطلابه بأسراره وعلومه»، لكنه يبحث دائماً عن «الطالب النجيب الفطن».

ويضيف المادح أنه لا يتعامل مع النص من موقع المفسّر، بل من موقع المنصت، قائلاً إنه «مستمع جيد» يتتبع المتشابهات التي «تنطق عن بعضها بعضاً»، ولا يرى لنفسه إلا «شرف حياكة النسيج الأدبي في صورته الشعرية».

قصص تفرض نفسها

وعن معايير اختيار القصص القرآنية التي حوّلها إلى رباعيات، يوضح المادح أن النص القرآني، من جهته المقدسة، يفتح «جناح الخيال المحلّق»، لأنه نص يبعث على الاكتشاف، وقد يكون موحياً بفكرة علمية أو جدلية أو حافزاً على قهر عجز الواقع.

ويضرب أمثلة على ذلك بقصة النملة، التي توحي لديه بإمكان التواصل العلمي مع المخلوقات من حولنا والحديث معها؛ وقصة عرش بلقيس، التي تفتح سؤال نقل المادة بسرعة الضوء أو ربما أسرع؛ وقصة نوح، التي تثير فرضية إطالة العمر البشري وقهر انقسام الخلية؛ وقصة أهل الكهف، التي تقارب سؤال الزمكان أو نسبية الزمن.

كما يضم المشروع قصص عصا موسى وثعبانه، وولادة عيسى وطيره، ورحلات ذي القرنين، وقصصاً أخرى يرى المادح أنها لم تُختر اعتباطاً، بل «فرضت نفسها في العمل».

من دمشق إلى اللوحات

ويكشف المادح أن كتابة هذه المقطوعات الشعرية امتدت على مدى قرابة 20 عاماً، وأن بدايتها كانت في جامعة دمشق، حين كان يدرس هناك.

أما الجانب البصري من المشروع، فجاء لاحقاً بعد اكتمال النصوص، إذ تحولت بعض الرباعيات إلى لوحات ومخطوطات. ومن بينها مقطوعة خطّها الخطاط الدولي السيد مصطفى العرب، واقتناها بعد ذلك أحد التجار من دولة الكويت.

أسئلة الوجود

ولا يقف الديوان عند حدود إعادة صياغة القصص القرآني شعرياً، بل يذهب إلى أسئلة الإنسان الكبرى. يقول المادح: «إنني أتساءل دائماً عن أسرار هذا الوجود، وأجد أن في فهمه تدور حياتنا».

ويؤكد أن موضوعات القصص القرآنية «إنسانية بدرجة عميقة»، لكنه يرى أن الأهم هو انفتاح النص القرآني على أبواب العلم التي تفسّر، بشكل أو بآخر، ظواهر خارقة، وتجيب عن تساؤلات لا تملك إجابات منطقية مباشرة.

ويستشهد بقول الإمام علي بن أبي طالب: «فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه»، ثم بقوله: «وأراهم قدرته… وكيف خلق ما خلق من الآيات»، ليؤكد أن هذه القصص تناولت الأسئلة الوجودية والإنسانية التي شغلت كل عقل بشري.

ويقرّ المادح بأن هذه المساحة «ساحة ملغومة بأفكار قابلة للانفجار»، لكنه يراها أيضاً مجالاً للوصول إلى حقيقة أو فرضية تفسر ما غاب عن إمكاناته المحدودة، وتجعله منفتحاً على «اللاتناهي في العلم»، ومتحفزاً لقهر مقولة أرسطو بعدم تلاقي العلم والأدب، أو الشعر.

ظاهر أنيق وباطن عميق

ويمضي المادح إلى باطن التجربة مستحضراً قول الإمام علي: «إن هذا القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه».

ومن هذا المنطلق يرى أن القصص القرآني يطلق الخيال، والخيال عنده ليس ترفاً جمالياً، بل «مخزن الأفكار العلمية الكونية»؛ حيث تحضر مفاهيم المادة والطاقة والذرة، وتتوسط الرباعيات بين النص المقدس والعلم الحديث، وما ورد من أساطير في الملاحم الأدبية القديمة.

الصورة تكسر الضباب

ولأن «أرانات» لا يكتفي بالكلمة، بل يستعين بالصورة، يرى المادح أن التصور المرئي للفكرة المتخيلة قد لا يحسم ضبابيتها بالكامل، لكنه يقرّبها من الذهن.

ويضرب مثالاً بعرش بلقيس، قائلاً إن كل من يسمع به يجد في نفسه أثراً متصوراً يبدو «كأنه هو»، لكنه يظل عائماً في ضباب الخيال. وهنا تأتي الصورة، في رأيه، لتريح الفهم من جموح الخيال، وإن كانت تقطع شيئاً من سيوله اللامتناهية، ولذلك يكون لها «وقع مدوٍ في الذهن».

200 رباعية

ويقع الديوان في 200 رباعية تتناول القصص الواردة في القرآن الكريم، ابتداءً من مرحلة ما قبل خلق آدم.

وتناول المادح بعض القصص في أكثر من مقطع، ومنها قصة نبي الله موسى، وقصة ذي القرنين، وقصة نبي الله سليمان، وقصة يوسف، كما تناول قصصاً لغير الأنبياء، منها هابيل وقابيل، وقارون، وأصحاب الجنة، والسامري، وأصحاب الكهف.

من النماذج

قابيل وهابيل

قَابِيلُ قَالَ لِهَابِيلَ الَّذِي قُتِلَا

مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَرَاءَى عَيْنُهُ الأَجَلَا

لَوْ كُنْتُ أَعْرِفُ مَا تَحْوِيهِ مِنْ حَسَدٍ

لَمَا تَرَكْتُ لَكَ التَّأْوِيلَ مُنْفَتِلَا

هَلْ هَذِهِ المَرْأَةُ الحَسْنَاءُ تَصْرَعُنَا

أَمْ يَا تُرَى مِحْنَةُ القُرْبَانِ إِذْ قُبِلَا

لَئِنْ بَسَطْتَ يَدَاً نَحْوِي لِتَقْتُلَنِي

فَلَا أَزَالُ أَرَى فِي قَلْبِكَ الأَمَلَا

آدم وحواء

أَتَرَى حَوَّاءُ تَدْرِي أَنَّ فِيهَا تَاهَ آدَمْ؟

قَلْبُهُ كَالصَّخْرِ لَكِنْ فِي هَوَاهَا قَدْ تَحَطَّمْ

أَكَلَا أَوْرَاقَهَا وَالتِّيهُ مِنْ ذَاكَ تَحَتَّمْ

يَا تُرَى مَا فَعَلَا مِنْ بَعْدِهَا حَتَّى تَنَدَّمْ؟

نملة سليمان

يَا نَمْلَةً ضَاعَتْ بِهَاتِيكَ القُرَى

إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ حُرُوفِكِ تُشْتَرَى

ضَحِكَ النَّبِيُّ لِقَوْلِهَا فَاسْتَبْشَرَتْ

أَتَرَى تَرَاهُ وَكَيْفَ مَوْضِعُهَا يُرَى؟

سُبْحَانَهُ جَعَلَ البَيَانَ بِذِكْرِهِ

سُبْحَانَهُ مِنْ خَالِقٍ قَدْ قَدَّرَا

إِنَّ الكَلَامَ مَعَ الخَلَائِقِ مُمْكِنٌ

مَا كَانَ هَذَا مِنْ حَدِيثٍ يُفْتَرَى

نداء الملائكة وبداية الخلق

وَنِدَاءُ رَبِّكَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّتِي

كَانَتْ بِعَرْشِ اللهِ دَهْراً مُحْدِقِينَ

أَنَاْ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلْقاً آخَراً

وَخَلِيفَةً وَكَذَاكَ دُنْيَا مِنْ سِنِينَ

فَإِذَا نَفَخْتُ الرُّوحَ فِي أَوْدَاجِهِ

فَقَعُوا لَهُ طَوْعاً هُنَالِكَ سَاجِدِينَ

وَإِذَا بِهِ قَدْ قَامَ بَعْدَ رُقَادِهِ

وَإِذَا بِهِمْ خَرُّوا جَمِيعاً خَاشِعِينَ.