أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب 134 | تَطلبُ شيئًا… فيُعطيك أشياء

محمد السيدالأربعاء 27 مايو 2026، 4:15 م
سيرة طالب 134 | تَطلبُ شيئًا… فيُعطيك أشياء

الشيخ علي الفرج

كتب الله لنا صيام شهر رمضان سنة ١٤١٤هـ في حي السيدة زينب (ع)، في دمشق، وما تزال الذاكرة غضةً طريةً بما كان يفيض به الشهر الكريم من روحانية خاصة؛ أصوات القرآن تتردّد في الأزقة، والأحاديث تنبعث من المآذن والمجالس، والسهرات الرمضانية تُبثّ لساعات طويلة.

ومضت ليالي الشهر سريعًا، حتى أقبلت ليلة القدر، ليلة الثالث والعشرين، فأحييناها بالدعاء والمناجاة، ونسأل الله لأنفسنا ولأحبتنا وللعلماء ولجميع المؤمنين الخير والرحمة. وكان من بين ما دعوتُ به لنفسي أن يرزقني الله حج بيته الحرام في تلك السنة، مستلهمًا دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين في دعاء أبي حمزة الثمالي:و«وارزقني حجّ بيتك الحرام في عامنا هذا وفي كلّ عام…».

غير أنّ يدي يومئذ كانت خالية من مؤونة الحج، بل لم أكن أملك سوى قوت يومي، وربما دونه. لكنّ اليقين بالله كان يملأ قلبي، فكرّرت الدعاء بإلحاح: أن يرزقني الله رزقًا خالصًا خاصًّا أؤدّي به الحج في هذه السنة، موقنًا بوعده سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾:

وما أسرع الإجابة!

نقضى شهر الله، وأقبل عيد الفطر بأفراحه ومودّته، ثم لم تمضِ إلّا أيام من شهر شوال حتى قدم إلى حيّ السيّدة زينب رجلان من القديح؛ الحاج حمزة الفردان (أبو محمد)، والحاج سلمان الحصّار (أبو محمد)، وقد قدما بقصد الزيارة، فرحمهما الله رحمة واسعة.

وفي أثناء جلسة جمعتنا، التفت إليّ أبو محمد الفردان ـ وكان حملدارًا للحج ـ وقال ببساطة عجيبة “أنا في كلّ سنة أتكفّل بحجّ شخصين، وأنت هذا العام أحدهما إن شاء الله.”

توقفت لحظة كأنّي لا أصدّق ما أسمع، ثم قلت «موافق بإذن الله».

ثم أخذ الحاج حمزة يحدّثني عن سبب مجيئه إلى سوريا، فقال إنّه كان قد عزم على السفر إلى المدينة ومكة لترتيب أمور الحملة، فصادفه زميله في بلدي وأنا أحمل حقيبتي، وسلّم عليه، اقترح عليه أن يمرّا معه على سوريا ثلاثة أيام لزيارة السيّدة زينب عليها السلام، يذهب معه في المدينة المنورة. فواقق.

عندها قلتُ له: لا أشك أنّ مجيئك إلى سوريا كان في ظاهره زيارة، أمّا في باطنه فاستجابة سريعة لدعائي في ليلة القدر.

فنظر إليّ متعجّبًا وقال: هذا أمر غريب وعجيب!.

إلى الديار المقدّسة

وفي أواخر ذي القعدة توجّهت إلى المدينة المنورة، حيث التحقت بحملة الحاج حمزة، وسكنت مع ثلّة من طلبة العلم، منهم العلّامة الشيخ عباس العنكي.

ثم انتقلنا إلى مكة المكرمة لأداء المناسك. وأثناء الانتقال من عرفات إلى مزدلفة، اقترح الشيخ عباس أن أتولّى ـ بمعيّة أخيه الحاج سلمان العنكي ـ ذبح الهدي نيابة عن حجّاج الحملة، تسهيلاً عليهم.

أخذ الشيخ الميكرفون، وأعلن للحجّاج أنّ بإمكانهم توكيلنا في الذبح مقابل مبلغ محدّد، فإن نقص تحمّلناه، وإن زاد كان لنا.

اقتربتُ منه هامسًا: يا شيخ، أنا لا أملك شيئًا، فلو خسرنا فكيف أُسدّد؟!.

فقال بهدوء الواثق: توكل على الله… لن يكون إلّا الخير.

لكلّ مجتهد نصيب

وجاء يوم العيد، وبعد رمي جمرة العقبة، انطلقنا مشيًا إلى المسلخ، وكانت مسافة طويلة مرهقة، ثم شرعنا في الذبح منذ الصباح حتى العصر، حتى أنهكنا التعب بعد أن انتهينا.

وفي طريق العودة، جلسنا على الرصيف نستريح بعد أن شربنا ماءً باردًا أزال بعض العناء، فإذا بأبي علي سلمان يفتح حقيبته الصغيرة، ويقسم المال نصفين: نصفًا له، ونصفًا لي.

كان نصيبي يومها نحو ستة آلاف ريال أو يزيد قليلًا.

حينها فقط عاد إلى ذهني دعائي في ليلة القدر… وكيف أنّي سألت الله أن يرزقني ما أحجّ به، فإذا به سبحانه يفيض عليّ فوق ما تمنّيت وطلبت. وعرفت أن قيمة الحجة آن ذلك ستة آلاف ريال، وأعطيني الله الحجة وقيمتهثم رجعتُ إلى القديح، مغمورًا بفرحة الحجّ، ولم تمضِ إلّا أيام قلائل حتى شددتُ الرحال مرّةً أخرى إلى سوريا، شوقًا لمتابعة طريق العلم.