أطفالنا.. مرايا علاقاتنا

فاطمة عبدالمنعم
غالبًا ما يبدأ استعدادنا لاستقبال مولود جديد بالتحضيرات المادية، من تجهيز غرفته وشراء ملابسه، إلى قراءة كتب التربية والتغذية. لكننا قد نغفل عن حقيقة جوهرية: الصحة النفسية للطفل لا تبدأ عند ولادته، بل تتجذر في الأساس الذي يسبقه، وهو طبيعة العلاقة بين والديه.
إن الزواج المستقر، القائم على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، ليس مجرد خلفية اجتماعية، بل هو البيئة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان. فالأعمدة الرئيسية للزواج هي التي تحدد صلابة المنزل الذي سينشأ فيه الطفل.
الطفل: بذرة حب أم امتداد بيولوجي؟
في عمق الفلسفة النفسية، نجد أن الطفل الذي يأتي نتيجة علاقة يسودها الحب والمودة بين الشريكين، ينشأ وهو يشعر بأنه “بذرة” لهذا الحب، كائن مرغوب فيه لذاته، جاء ليُتوج قصة تناغم.
أما حين تغيب المودة، فقد يتحول الإنجاب إلى مجرد رغبة في “الامتداد الجيني” أو البيولوجي، وهنا يصبح الطفل “حملاً ثقيلاً” منذ لحظاته الأولى؛ لأنه لا يأتي ليشارك الحب، بل ليحمل أثقال علاقة مهزوزة أو ليقوم بدوره كجسر لوصل ما انقطع بين الطرفين.
وهذا ما أكدت عليه المحللة النفسية فرنسوا دولتو التي آمنت بأن الطفل كائن تواصلي بامتياز منذ اللحظة الأولى.
ترى دولتو أن الطفل يلتقط “الرغبة” التي أدت لمجيئه؛ فإذا كان نتاج حب حقيقي، فإنه يستمد أمانه من هذا الرابط. أما إذا كان مجرد “وظيفة” لاستمرار النسل أو لإصلاح ما انكسر، فإنه يشعر بالعبء النفسي لهذا الدور الذي لم يختاره.
هل يمكن لزواج غير مستقر أن ينجب طفلاً سويًا؟
إن استمرار الزواج وإنجاب الأطفال في بيت “مهدم الأركان” يجعل الطفل انعكاسًا مباشرًا لبيئته المضطربة، حيث يصبح مرآة لصراعات والديه وآلامهم. والأكثر إيلامًا هو أن إنجاب طفل في علاقة مهزوزة قد ينتج عنه أطفال يشعرون بأنهم “غير مرغوب بهم”، وهو شعور سام يصل إليهم حتمًا عبر اللغة غير الملفوظة والتوترات المشحونة في جو المنزل.
وتدعم مدرسة التحليل النفسي هذا المفهوم، حيث يرى دونالد وينيكوت أنه “لا وجود لشيء اسمه طفل” بمعزل عن بيئته وعلاقته بأمه، مشيرًا إلى أن أي اضطراب في العلاقة الزوجية يصبح جزءًا لا يتجزأ من تجربة الطفل التأسيسية عن نفسه وعن العالم.
كيف تتشكل نفسية الطفل؟
تبدأ هذه الرحلة من الرحم؛ فالأبحاث تؤكد أن الجنين يتفاعل مع مشاعر أمه ويعيشها معها عبر التغيرات الهرمونية والكيميائية. وبعد الولادة، يدخل الطفل في حالة “الاندماج التكافلي” مع الأم، حيث لا يميز نفسه ككيان مستقل، بل يرى العالم من خلالها.
وهنا تكمن أهمية وجود “أب” يدعم هذه العلاقة ويحتويها، ليخلق مساحة آمنة تنمو فيها هذه النفسية الناشئة بعيداً عن القلق.
في نهاية المطاف، وقبل أن نشغل أنفسنا بأساليب التربية الحديثة، علينا أن نواجه أنفسنا بهذا السؤال، حين تنظر في عيني طفلك، هل ترى فيه تجسيداً للحياة والمودة التي تجمعك بشريكك، أم تلمح فيه ضحية الصمت والمسافات النفسية بينكما؟
وهل أعددنا له بيتاً من الأمان والاعتراف بكيانه، أم اكتفينا بمنحه امتداداً جينياً واسماً في سجلات النسب؟”
إن إدراكنا بأن الطفل هو ثمرة لوعينا وحبنا، وليس مجرد وظيفة بيولوجية، هو أول خطوة في طريق بناء إنسان سوي، يشعر بأنه مرغوب فيه لذاته، لا لترميم صدوع حياتنا.



