صفوى تودع طبيبها المصري.. رحل خالد السيد وبقيت سيرته

صفوى: أمل سعيد
لم يكن الدكتور خالد السيد مجرد طبيب عابر في ذاكرة أهالي محافظة القطيف، بل كان اسماً ارتبط بالطمأنينة، ووجهاً اعتاده المرضى في لحظات ضعفهم، وصوتاً هادئاً يعرف كيف يخفف الألم قبل أن يصف الدواء.
وعلى مدى سنوات طويلة قضاها في محافظة القطيف، تنقل الدكتور الراحل بين مستشفيات ومراكز صحية عدة، لكنه في كل محطة كان يترك أثراً إنسانياً أكبر من حدود المهنة، ومع إعلان وفاته في مصر قبل أيام، بدا الحزن واسعاً بين زملائه ومرضاه وكل من عرفه، وكأن المدينة فقدت واحداً من أبنائها الذين عاشوا فيها طويلاً حتى صاروا جزءاً من ذاكرتها اليومية.
زملاؤه لا يتحدثون عن طبيب فقط، بل عن إنسان ظل محتفظاً بهدوئه وابتسامته وعلاقاته الطيبة حتى آخر أيامه، وبين الذكريات والمواقف والكلمات المختنقة بالحزن، تتشكل سيرة رجل كرّس سنوات عمره لخدمة الناس، فرحل تاركاً خلفه محبة صادقة وسيرة طيبة.

المريض أولاً
يستعيد سعيد علوي الصفواني، مدير مستشفى صفوى العام سابقاً، سنوات طويلة جمعته بالدكتور خالد السيد، “تعرفت إليه بعد انتقاله من مستشفى القطيف (السويكة) إلى مستشفى صفوى عام 1419هـ تقريباً، وعملت معه نحو 15 عاماً”.
ويضيف أن العلاقة التي جمعته بالراحل تجاوزت حدود التسلسل الإداري، “فلم أكن أتعامل معه كرئيس ومرؤوس، بل كزميل، لما كان يتمتع به من تحمل للمسؤولية وتفانٍ واضح في أداء عمله”.
وخلال سنوات العمل الطويلة، لم يتذكر الصفواني أي خلاف أو سوء تفاهم جمع الدكتور خالد بأحد من زملائه الأطباء، مؤكداً أن دماثة أخلاقه كانت كفيلة بأن تجعله محل احترام الجميع.
أما المرضى، فيقول إن مكانة الدكتور خالد لديهم كانت لافتة، “فقد كان محبوباً إلى درجة أن بعض المرضى كانوا يقصدونه من خارج صفوى، لما يحظى به من ثقة علمية وإنسانية”.
ويشير إلى أن الراحل اتجه بعد مغادرته العمل الحكومي إلى العمل في مستوصف التميز بالقطيف، وظل محافظاً على تواصله مع زملائه حتى بعد عودته إلى مصر، عبر الرسائل وتبادل التهاني في المناسبات.
ويتابع بحزن “وصلني خبر وفاته من أحد الزملاء، فتواصلت مع ابنه لتقديم التعزية، وعلمت منه أن حالته الصحية تدهورت قبل الوفاة، وأصيب بفشل كلوي، ولم يمضِ وقت طويل حتى وافته المنية”.
ويختصر الصفواني شخصية الراحل بقوله “كان هادئاً، وكان همه الأول والأخير هو المريض بعيداً عن أي اعتبار آخر، وهذه الصفة بالذات كانت محل احترام الجميع”.

طبيب للروح
يسترجع زكي الخنيزي، مدير مستشفى صفوى العام سابقاً، سنوات معرفته الطويلة بالدكتور خالد السيد، واصفاً إياه بأنه أحد أولئك الأشخاص الذين يتركون أثراً طيباً في قلوب كل من عرفهم.
ويقول “عرفناه منذ سنوات طويلة، منذ قدومي إلى مستشفى صفوى العام”، ويشير الخنيزي إلى أن الدكتور كان قد أمضى سنوات عديدة في مستشفى القطيف العام، حيث كوّن علاقة مميزة مع المرضى الذين كانوا يحضرون إلى مستشفى صفوى ويطلبونه بالاسم.
وعمل الخنيزي مع الراحل قرابة 10 سنوات، قبل أن يتقاعد من العمل الحكومي ويتجه إلى القطاع الصحي الخاص، متنقلاً بين مستوصف جمعية صفوى، ومستوصف جمعية أم الحمام، ثم مركز الامتياز الطبي.
ويصف علاقته بزملائه “كان محبوباً بين الأطباء والممرضين والإداريين والعاملين في المجال الصحي كافة، لما عُرف عنه من احترام للناس وتواضع وسعة صدر”.
ويضيف “كان هادئاً، رحيماً، حسن الاستماع للمريض، صبوراً إلى أبعد الحدود، وصاحب أخلاق عالية وابتسامة دائمة، كان يمنح المريض الطمأنينة قبل أن يمنحه العلاج، ولذلك بقي أثره في النفوس قبل أن يبقى أثره الطبي”.
وبعد انتقاله للعمل في القطاع الخاص، ظل محافظاً على علاقاته بزملائه وأصدقائه، بحسب الخنيزي، الذي يشير إلى أن كثيرين ظلوا يتابعون أخباره بعد تعرضه لجلطة دماغية وعودته إلى مصر للعلاج والاستقرار هناك.
ويتابع “وصل خبر وفاته وألقى ظلاله الحزينة على كل من عرفه، لأنه كان شخصية محبوبة وصاحب حضور إنساني جميل”.
ويؤكد أن المرضى كانوا يثقون به ثقة كبيرة، ويذكرونه دائماً بالخير، حتى إن كثيرين كانوا يعتبرونه “طبيباً للروح قبل الجسد”، مضيفاً أن أكثر ما بقي في الذاكرة ليس موقفاً بعينه، بل طريقته الإنسانية الدائمة في التعامل مع الناس، وإنصاته للمريض مهما كانت شكواه بسيطة، واحترامه للجميع دون استثناء.

أخ أكبر
أما عباس الصادق، اختصاصي اجتماعي، فيتحدث عن الراحل من زاوية مختلفة، زاوية الزمالة الطويلة التي تحولت إلى أخوة امتدت لأكثر من 18 سنة.
ويقول متأثراً “حين وصلني نبأ وفاته شعرت بحزن عميق وفقد صادق، فلم يكن الراحل بالنسبة لنا مجرد زميل عمل، بل أخاً كبيراً وقدوة في الأخلاق والإنسانية والإخلاص”.
ويضيف: “كان مثالاً للطبيب الذي يحمل رسالة قبل أن يحمل مهنة، عرفناه صاحب قلب رحيم وخلق كريم ووجه بشوش لا تفارقه الابتسامة”.
ويتذكر الصادق حرصه الشديد على مرضاه “كان يمنحهم من وقته وجهده وصحته، ولا يغادر قبل أن يطمئن عليهم، وكثيراً ما كان يتأخر في عمله حرصاً على أداء الأمانة وإتمام واجبه على أكمل وجه”.
ويؤكد أن زملاءه عرفوا فيه حب الخير وصدق التعامل والالتزام في دينه وعمله، ولذلك ترك أثراً عميقاً في نفوس من عرفوه.
ويضيف “ما إن انتشر خبر وفاته حتى توالت الاتصالات بين الزملاء والأطباء، وكلهم كانوا يتحدثون عن محبته وطيب سيرته، وكأن الجميع فقدوا أخاً عزيزاً لا مجرد زميل”.
ويختم حديثه “رحل الجسد، لكن المواقف الجميلة والذكريات النبيلة ستبقى حاضرة، وسيظل اسمه مقترناً بالخير والعطاء والرحمة في قلوب من عرفوه”.
مواقف تستوطن الأعماق
ومن جانبها، تستعيد فاطمة حمزة رهين، نائب رئيسة التمريض، أكثر من 20 عاماً من المعرفة بالدكتور خالد السيد، بينها نحو 15 عاماً من العمل المباشر معه.
وتقول “قد لا تفي الكلمات بحقه، فبالرغم من هدوء طباعه كان بمثابة الأب الموجه والمعلم الناصح، وليس مجرد طبيب”.
وتصفه بأنه كان استثناءً حقيقياً، ومن النادر أن تجتمع حول شخص واحد محبة الزملاء والمراجعين على هذا النحو، مضيفة “كان قريباً من الجميع، ويعاملهم جميعاً بالقدر نفسه من الاحترام”.
وتتابع “كان الطبيب الإنسان بحق، جمع بين لين الجانب ووقار الحضور وهيبته، وكان قدوة لنا جميعاً في الأمانة والحرص على كل روح بين يديه، ويتجلى ذلك بشكل خاص في الأوقات الحرجة”.
وبحسب آل رهين، واصل الراحل عمله بعد مغادرته المستشفى الحكومي في عدد من الجهات الأهلية بالمنطقة، كما ظل محتفظاً بعلاقاته بزملائه الذين كانوا يحرصون على زيارته بين الحين والآخر، سواء للاطمئنان عليه أو لأسباب علاجية.
وتشير إلى أن التواصل المباشر بينهما لم يكن مستمراً في الفترة الأخيرة، إلا أنه كان يبعث السلام باستمرار ويتفقد أحوال زملائه عبر من يلتقيهم.
وتقول إنها لم تعلم بسفره إلى مصر إلا بالتزامن مع خبر وفاته الذي وصلها عبر رسالة متداولة بين الزملاء، مؤكدة أنها لا تعرف أسباب الوفاة بشكل دقيق.
أما عن المرضى، فتؤكد أن للدكتور خالد مكانة خاصة لديهم، “فالجميع كان يقدره ويحترمه ويثق به، ولم يقصده أحد إلا وبذل كل ما يستطيع لخدمته”.
وتضيف أن سمعته الطيبة كانت تسبقه أينما ذهب، وقد لمست ذلك بنفسها خلال عملها معه في العيادة، حين كان المراجعون يأتون إليه من مختلف مدن المحافظة لمعرفتهم السابقة به.
وعن موقف إنساني عالق في ذاكرتها عنه، تتوقف قليلاً ثم تقول “قد لا تسعفني الذاكرة بقصة محددة، لكن مواقفه الإنسانية تركت فينا أثراً باقياً، فالمواقف العظيمة لا تحفظها السطور لكنها تستوطن الأعماق.

من أبناء صفوى
يستعيد الدكتور علي بو خمسين سنوات زمالته للدكتور خالد السيد، التي بدأت مع التحاقه بمستشفى صفوى العام سنة 2002م واستمرت حتى مغادرته المستشفى عام 2005م.
يقول: “في بداية عملي كنت حديث التخرج، وبحكم أن تخصصي هو نفسه تخصص الدكتور خالد، الباطنة العامة، كان التواصل بيننا مكثفاً منذ الأيام الأولى. تولى تعريفي بطبيعة العمل في المستشفى، وتقاسمنا المسؤوليات الطبية في قسم الباطنة، فكان خير معين وخير زميل”.
لكن ما لفت انتباهه، كما يروي، لم يكن الجانب المهني فحسب، بل الحضور الإنساني الواسع للدكتور خالد داخل المجتمع.
يضيف “كان ملمّاً بأحوال مجتمع صفوى والقرى المجاورة بصورة لافتة، علاقته بالمرضى لم تكن تتوقف عند حدود التشخيص والعلاج، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والإنساني والشخصي، ولذلك كوّن علاقات مميزة ومتينة مع المرضى وأسرهم، بل ومع جيرانهم أحياناً”.
ويتابع بوخمسين “هذا الأمر أدهشني كثيراً، فقد كنت قادماً من مستشفيات الخبر والدمام، حيث كانت العلاقة مع المريض غالباً مهنية بحتة تدور حول المرض والأدوية والخطة العلاجية، أما الدكتور خالد فكان يرى الإنسان كاملاً قبل أن يرى حالته المرضية”.
ويتذكر جانباً آخر من شخصيته “كان حاضراً في مناسبات مرضاه الاجتماعية، فتراه في الأفراح كما تراه في مناسبات العزاء والفقد، وكأنه أحد أبناء صفوى الذين نشأوا فيها، كان جزءاً من النسيج الاجتماعي للمدينة ومتداخلاً معه بصورة طبيعية وعفوية”.
يصف بوخمسين الراحل بأنه كان رجلاً فاضلاً، طيباً وخلوقاً، بشوش الوجه دائم الابتسام، يسعى إلى مساعدة من حوله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، دون أن يخل ذلك بالنظام أو بالاحترام المتبادل الذي كان يحرص عليه في علاقاته مع الجميع.
ورغم انتهاء فترة العمل المشترك بينهما عام 2005م، فإن العلاقة استمرت لسنوات طويلة بعد ذلك، كما يقول “ربما انتهى الجانب المهني من العلاقة، لكنها تعمقت إنسانياً، وأصبحت علاقة صداقة حقيقية”.
ويشير إلى أن الدكتور خالد كان يمتلك قراءة خاصة للمجتمع في المنطقة الشرقية، وكان معجباً بالحالة الاجتماعية التي تتميز بها صفوى، حيث كان يرى فيها نموذجاً متماسكاً يجمع بين قبائل متعددة ومذهبين مختلفين، لكن ذلك كله يذوب في العلاقات الإنسانية اليومية، وكان يعتبر هذه الحالة نموذجاً صحياً ومبعثاً للإعجاب.
وعن لحظة معرفته بالخبر، يقول “قرأت نبأ وفاته في إحدى المجموعات الطبية، فبادرت بالاتصال بزميلنا المشترك عباس الصادق الذي أكد لي الخبر”، ويختم كلامه ” كان رحمه الله طبيباً مخلصاً، وإنساناً رائعاً”.



