الشيخ المصطفى… العلم مشروعاً والأدب ضوءاً

نزار المصطفى
في زمنٍ تراجعت فيه القامات العلمية الكبيرة خلف ضجيج الادعاءات، يظلّ أخي وشقيقي الشيخ حسين المصطفى واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يُقاس حضورهم بكثرة الظهور، بل بعمق الأثر واتساع المعرفة وصدق الانتماء إلى مشروع الفكر الإسلامي الأصيل. فهو ليس مجرد فقيه يقرأ النصوص، بل عقلٌ اجتهد طويلًا في تفكيكها وإعادة إنتاجها بروح الباحث المحقق، حتى غدت مؤلفاته محطاتٍ علمية وفكرية يقف عندها القارئ المتأمل بإجلال واحترام. لقد استطاع عبر مسيرته الممتدة أن يقدّم نموذجًا نادرًا للعالم الموسوعي الذي لا تحبسه زاوية واحدة؛ فهو الفقيه الذي يلامس هموم المجتمع، والمفكر الذي يقرأ التحولات بعينٍ نقدية واعية، والأديب الذي يعرف كيف يسكب الفكرة في لغةٍ لها دفء الروح وجمال العبارة، والمحقق الذي يتعامل مع التراث بوصفه كائنًا حيًا لا مجرد أوراقٍ صفراء محفوظة في رفوف المكتبات.
وحين يتأمل المرء عناوين مؤلفاته يدرك سريعًا أنه أمام مشروعٍ فكري متكامل لا أمام جهدٍ عابر؛ فمن “مطارحات في الفكر والدين والمجتمع” إلى “فلسفة الحج”، ومن “ثقافتنا الجنسية بين فيض الإسلام واستبداد العادات” إلى موسوعته الكبيرة “قبيلة همدان ودورها في التشيع”، ثم “أعلام الشيعة في الحجاز”، وكتابه العميق “العقل القرآني عند الإمام علي”، وصولًا إلى دراسته المقارنة المهمة “العرض على كتاب الله بين النظرية والتطبيق”، وكتابه “فقه التعايش” الذي قدّم فيه رؤيةً إسلامية واعية لإدارة الاختلاف الإنساني والمذهبي بروح الحكمة والانفتاح، وكتابه “أمّ النبي… سموّ المعنى في سموّ الذات” الذي عالج فيه السيرة بروحٍ وجدانية وفكرية عالية، وكتابه “الإمام زين العابدين… الرمز والرسالة” الذي استحضر فيه البعد الحضاري والروحي لشخصية الإمام السجاد عليه السلام، إلى جانب دراسته الفقهية الدقيقة “دراسة في رؤية هلال العيد”، وكتابه “أمهات المؤمنين” وما تضمّنه من قراءةٍ علمية هادئة بعيدة عن الانفعال والسطحية، تتجلى شخصية الباحث الذي لا يكتب ليملأ فراغًا، بل ليؤسس ويفتح أبوابًا جديدة للتفكير والحوار. وهذه المؤلفات، التي تجاوزت الستين كتابًا، ليست أرقامًا في سجل النشر، بل شواهد على عمرٍ كامل أُهدي للمعرفة، وعلى عقلٍ ظلّ مشغولًا بالبحث عن الحقيقة في الفقه والتاريخ والفكر والاجتماع والعرفان.
وقد بلغ أثر مشروعه العلمي حدًّا جعل كبار المثقفين والأدباء يقفون أمامه بإعجابٍ صادق؛ إذ علّق الأستاذ الشاعر والكاتب والمفكر الكبير محمد العلي على موسوعته “أعلام الشيعة في الحجاز” بأنها أدهلته بما احتوته من جهدٍ تحقيقي هائل وعملٍ علمي دقيق، وقال إن هذا النوع من الإنجاز يحتاج في العادة إلى عملٍ مؤسسي متكامل، لا إلى جهد فردٍ واحد. ولم يكن ذلك التعليق مجاملة عابرة، بل شهادة مثقفٍ كبير أدرك حجم ما بذله الشيخ حسين المصطفى من تنقيبٍ ومراجعةٍ وتحقيقٍ وصبرٍ طويل في سبيل إخراج هذا العمل بالصورة التي تليق بأعلام الشيعة في الحجاز ورجالاته.
ولعل ما يمنح الشيخ حسين المصطفى فرادته الحقيقية أنه لم يسمح للمعرفة أن تتحول إلى جفافٍ ذهني أو تعالٍ أكاديمي، بل بقي الأدب يسري في لغته كما يسري الماء في الجداول الهادئة. فقلمه في الكتابة الأدبية سيّال، وروحه الشعرية حاضرة حتى في أكثر بحوثه الفكرية صرامة، وكأن المعرفة عنده ليست معلوماتٍ تُجمع، بل حالة وجدانية يعيشها الإنسان بكل كيانه. لذلك جاءت مقالاته في العرفان والتصوف محمّلةً بذلك النفس الروحي العميق الذي يجعل الفكر أكثر قربًا من القلب، ويجعل الكلمة قادرة على أن تكون معرفةً وجمالًا في آنٍ واحد.
إن الحديث عن الشيخ حسين المصطفى ليس حديثًا عن أخٍ عزيز فحسب، بل عن قيمة ثقافية وعلمية تستحق أن يُضاء عليها في زمنٍ أصبحت فيه السطحية أسرع انتشارًا من العمق، والضجيج أعلى صوتًا من الحكمة. لقد اختار طريق البناء الهادئ، فبنى لنفسه مكانةً راسخة في المكتبة الإسلامية والعقل الثقافي المعاصر، دون أن يلهث خلف الأضواء أو يساوم على قناعاته الفكرية. وسيبقى اسمه، بما خلّفه من علمٍ وأدبٍ وتحقيق، شاهدًا على أن الرجال الكبار لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم العقول التي أخلصت للمعرفة حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة الثقافة نفسها.



