أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الماجد في كوالالمبور: الثبيتي وعبد الصمد سعيد مع حوار القصيدة

محرر صُبرةالخميس 4 يونيو 2026، 12:26 م
الماجد في كوالالمبور: الثبيتي وعبد الصمد سعيد مع حوار القصيدة

محمد المخرق

كيف تتعرف القصائد إلى بعضها عبر البحار؟ وكيف تهتدي التجارب الشعرية إلى قراباتها البعيدة في لغات لم تسمعها من قبل؟

تلك الأسئلة تتقدم إلى الواجهة عند قراءة ورقة الشاعر والكاتب محمد الماجد (بين الثبيتي وصمد سعيد)، المقدمة ضمن البرنامج الثقافي لجناح المملكة العربية السعودية في معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026. فالقارئ يجد نفسه أمام رحلة ثقافية تتجاوز حدود المقارنة بين شاعرين، لتلامس ذلك الحيز الإنساني الرحب الذي تتجاور فيه الرؤى وتتقاطع فيه الأسئلة الكبرى.

في هذه الرحلة يقترب الماجد من عالم الشاعر الماليزي عبد الصمد سعيد، ثم يفتح نافذة واسعة على تجربة محمد الثبيتي، فتتجاور الصحراء والغابة، ويعبر المجاز من ضفة إلى أخرى، وتغدو القصيدة مساحة لقاء بين خبرتين تشكلتا في بيئتين مختلفتين، ثم التقَتا عند أسئلة الوطن والروح والطبيعة والمصير الإنساني.

وتتجلى فرادة الورقة في بحثها عن الخيوط الدقيقة التي تصل بين التجربتين. فالماجد يتوقف عند صورة الغراب بوصفها إحدى العلامات الدالة في العالمين الشعريين. ذلك الطائر الذي حمل عبر قرون طويلة ظلال الفقد والموت والكآبة، يستعيد في هذه القراءة أفقا آخر، ويغدو معبرا نحو الحياة واستعادة المعنى. وكأن الرمز نفسه يخلع ثوبه القديم ليولد من جديد داخل القصيدة، حاملا معه طاقة متجددة على التأويل والانبعاث.

وفي موضع آخر تكشف الورقة عن اختلاف عميق في البنية الشعرية لكل من الشاعرين. فعبد الصمد سعيد يتجه نحو التفاصيل الإنسانية القريبة، ويمنح اللغة حرارة الحياة اليومية وإيقاعها، فتبدو القصيدة متصلة بحركة المجتمع وأسئلته المباشرة. أما الثبيتي فيرتحل عبر الأسطورة والقناع والرمز، ويصوغ رؤيته من مادة ثقافية كثيفة تتشابك فيها الذاكرة والتاريخ والمخيال. ومن خلال هذا التباين تكتسب المقارنة قيمتها إذ تتيح للقارئ أن يرى أكثر من طريق يقود إلى التجربة الإنسانية ذاتها.

وتحمل الورقة بعدا ثقافيا يتجاوز حدود الشعر حين تتوقف عند محدودية حضور الأدب الماليزي في العربية. فخلف هذه الإشارة يلوح سؤال أوسع يتعلق بحركة الترجمة والتبادل المعرفي بين العالم العربي وآسيا. فكم من الأصوات الأدبية الثرية ما تزال بعيدة عن متناول القارئ العربي، وكم من الجسور تنتظر من يعبر فوقها في الاتجاهين.

وتأتي مشاركة محمد الماجد في كوالالمبور ضمن مشهد ثقافي سعودي آخذ في الاتساع، حيث أصبحت الثقافة أحد وجوه الحضور السعودي في العالم، وأصبحت المعارض الدولية فضاءات للحوار واكتشاف المشتركات الإنسانية وبناء العلاقات المعرفية بين الشعوب.

وربما كانت القيمة الأعمق لهذه الورقة كامنة في السؤال الذي تثيره أكثر من الأجوبة التي تقدمها. فمحمد الماجد لا يبحث عن الثبيتي داخل قصائد عبد الصمد سعيد، ولا يفتش عن عبد الصمد سعيد بين رموز الثبيتي، وإنما يتتبع ذلك الخيط الخفي الذي يصل التجارب الإنسانية بعضها ببعض، ويجعل القصيدة قادرة على التعرف إلى نفسها حين تسمع صداها صادرا من لغة أخرى.

هكذا يصل محمد الثبيتي إلى كوالالمبور بعد سنوات من رحيله، ويجلس إلى جوار عبد الصمد سعيد في فضاء الشعر. هناك، حيث تتوارى الحدود، وتتراجع المسافات، وتبقى الأسئلة الإنسانية الكبرى تضيء الطريق أمام القصائد وهي تمضي في رحلتها الطويلة نحو المعنى.