أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب ١٣٥ سيرة طالب 135| الحملدار الحاج أحمد العوى

صُبرةالخميس 4 يونيو 2026، 5:10 م
سيرة طالب ١٣٥ سيرة طالب 135| الحملدار الحاج أحمد العوى

الشيخ علي الفرج

تتوارى أسماءٌ كثيرة في زوايا التاريخ، غير أنّ بعضها يبقى مضيئاً في ذاكرة الناس بما خلّفه من أثر طيّب مسبوق بقصص جميلة وغيرها، ومن تلك الشخصيات التي نشير ذكرها هو: الحملدار الحاج أحمد العوى، ذلك الرجل الذي جمع بين حسن التدبير، وسعة الخبرة، وصدق الولاء، فكان علماً من أعلام أسفار الحج والزيارات في زمانه.

كان الحاج أحمد بن عبد الله العوى (1341 ــ 1420 هـ / 1922 ــ 1999 م) خادماً للعلماء والخطباء، سخّر جانباً كبيراً من عمره وماله في خدمة طلاب العلوم الدينية في الحوزة، فلم يدّخر جهداً في قضاء حوائجهم ورعاية شؤونهم. وقد اشتهر بين الناس بلقب: «أبو الفقراء والمحتاجين»، لما عُرف عنه من سعة البذل وكرم العطاء؛ فكان يمدّ يد العون للشباب، ويسعى في تزويج غير القادرين منهم، ويقف إلى جانب الأسر المتعففة، مواسياً ومؤازراً، حتى غدا مثالاً للعطاء الصامت والخدمة المخلصة التي لا تبتغي إلا وجه الله.

أذكر أربع معلومات مميزة:

1- عرفه العلماء والحجاج والزائرين خبيراً بمسالك السفر، بصيراً بمنازل الطريق، وقد قضى شطراً كبيراً من عمره في خدمة الزائرين وقوافل المؤمنين بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة ومشهد الغريب. وكان من فرط إلمامه بأحياء مكة وشعابها وأزقتها الضيقة كأنّه واحد من أبنائها.

ولم تقف رحلاته عند حدود الحجاز والعراق وغيرها، بل جاوزها إلى أرض فلسطين المباركة، وقد سنحت له فرصة زيارة المسجد الأقصى، فكان ضمن قافلة ضمّت خمسين شخصاً من أهالي القطيف، ثم زار قبة الصخرة وبيت لحم وكنيسة القيامة والبحر الميت.

2- ممّا أذكره شخصيًّا (رحمه الله) أنّه كان من روّاد مجلس العصر، وهو مجلس الملا حسن المقيلي ونجله الشيخ صادق المقيلي رحمهما الله، وهو مجلس اجتمع فيه العلم والأدب والذكريات. وكنتُ أواظب على حضور هذا الوقت، كما كنت حينها أمارس فنّ الخط، فكان الحاج أحمد يطلب مني بين الحين والآخر أن أخطّ له بعض قصائده.

والعجيب في أمره أنّه كان أميًا لم يكن قارئاً ولا كاتباً، ومع ذلك كانت قصائده تأتي محكمة السبك، رقيقة المعاني، فصيحة الألفاظ. وكأنّ الله سبحانه عوّضه عمّا فاته من أدوات التعلم بذكاءٍ، فكان ينظم الشعر وكأنّه ينطق بعفوية.

3- من أبلغ ما سمعته منه أنّه في أيام شبابه كان بمكة المكرمة قريباً من حدود عرفات، حين قدم المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم رحمه الله لأداء المناسك. فتقدّم الحاج أحمد للسلام عليه، ثم سأله سؤالاً قصيراً حمل في طيّاته يقين الخبير وأمانة الناصح:

لو أخبرك أهل الخبرة بأنك خارج حدود عرفات، أكنت تصدّقهم؟

فأجاب السيد الحكيم: نعم.

فقال له الحاج أحمد: إذن اعلموا أنكم الآن خارج حدود عرفات

وما إن سمع السيد الحكيم ذلك حتى نهض من فوره، وأمر أفراد حملته بالتحرّك عاجلاً إلى داخل الحدود الشرعية المعتبرة، حتى استوثق من صحة الموقف وأدّى المناسك على الوجه الصحيح، ثم عاد شاكراً للحاج أحمد تنبيهه وإخلاصه.

4- من المواقف المشرقة في سيرته ما رواه الشيخ محمد المغرور (الطيب)، إذ حدّث أنّ الحاج أحمد العوّى كان يعلم بوجود ديوان شعري مخطوط للشيخ علي الجشي رحمه الله، يضمّ قصائد نفيسة في مدائح أهل البيت عليهم السلام ورثائهم. وبعد وفاة الشيخ، قصد الحاج أحمد إلى ابن الشيخ الحاج عبد الرسول الجشي المعروف بأبي قطيف، وطلب منه أن يستعير الديوان ليقوم بطباعته في النجف الأشرف.

غير أنّ الابن تردّد في الأمر خشية ضياع المخطوطة أو تلفها أثناء السفر، فهي أثر والده وذخيرته الثمينة.

عندها اقترح الحاج أحمد حلاً حكيماً، فقال: فلنستأجر ناسخاً ينسخ الديوان كاملاً، ثم أحمل النسخة معي.

وكانت أجرة النسخ يومئذٍ ريالين في الساعة، فوافق أبو قطيف على الاقتراح، وجلس الناسخ أياماً متواصلة حتى أتمّ نقل الديوان صفحةً صفحةً وسطراً سطراً. ثم حمل الحاج أحمد النسخة إلى النجف الأشرف، حيث طُبع الديوان وانتشر بين المؤمنين ومحبي الأدب الولائي.

ولم تمضِ إلا أيام حتى تعرّضت مكتبة الشيخ علي الجشي للمصادرة في ظروف خاصة، فضاعت معها كتب ووثائق ومخطوطات كثيرة، وكان من بينها الديوان الأصلي الذي لم يُعرف له أثر بعد ذلك.

لكنّ يد العناية الإلهية كانت قد سبقت إلى حفظه؛ إذ هيّأت للحاج أحمد العوى أن يستنسخه قبل وقوع تلك الحادثة، فكان سبباً في إنقاذ تراث أدبي ولائي من الضياع، ولو قرأ أحدٌ في ديوان الشيخ، كان ثواب القراءة لقارئه، وللشيخ بما خلّفه من علم وأثر، غير أنّ أسبقهم إلى الأجر في هذا المقام هو الحاج أحمد؛ إذ كان سببًا في نشر هذا الديوان وإيصاله إلى الناس، ومن دلّ على خير فله مثل أجر فاعله.