أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الجوكر.. الورقة التي لا تشبه غيرها

أملالسبت 27 يونيو 2026، 3:46 م
الجوكر.. الورقة التي لا تشبه غيرها

أمل سعيد

عندما ظهرت ورقة الجوكر في ألعاب الورق خلال القرن التاسع عشر، لم تكن جزءاً أصيلا من المجموعة التقليدية، كانت ورقة مختلفة، غريبة بعض الشيء، بلا هوية واضحة مقارنة ببقية الأوراق.

في البداية كانت تقوم مقام الورقة المفقودة أو التالفة، ومع تطور ألعاب الورق أصبحت تحل محل أي ورقة يحتاجها اللاعب لاستكمال اللعبة، لم يكن لها موقع ثابت، لكنها كانت قادرة على شغل أي موقع، ولم تكن الأقوى دائما، لكنها كانت الأكثر مرونة.

ومن هذا المعنى تحديداً خرج الجوكر من أوراق اللعب إلى الحياة.

في المؤسسات والشركات والفرق وحتى داخل البيوت والأسر، يوجد دائما شخص يشبه هذه الورقة، شخص لا يمكن وضعه في خانة محددة.

ليس المدير، لكنه يتدخل حين تتعثر قرارات الإدارة، وليس الموظف المختص، لكنه يعرف من كل عمل طرفا، وليس الساعي الذي يحمل المعاملات بين المكاتب، لكنه يفعل ذلك إذا اقتضت الحاجة، وليس مسؤول الأزمات، لكنه أول من يُستدعى عند وقوعها.

هو كل أحد ولا أحد، كل شيء ولا شيء، له مكان خاص به، لكنه يستطيع أن يشغل مكان أي شخص آخر.

ذلك هو الجوكر بمعناه المجازي.

والمفارقة أن قيمة الجوكر لا تكمن في موقعه، بل في غياب الموقع، فبينما تُعرف بقية الأوراق بوظائفها وحدودها، تُعرف ورقة الجوكر بقدرتها على تجاوز الحدود، وحين يُطلب منها أن تكون ملكا تكون كذلك، وحين تحتاج اللعبة إلى أدنى ورقة تؤدي دورها ببساطة.

وهكذا يفعل الجوكر البشري، إنه الشخص الذي لا يتوقف عند حدود الوصف الوظيفي، ولا يختبئ خلف عبارة “هذا ليس من اختصاصي”، يتحرك نحو الفراغ حيثما وجد، ويسد الثغرات قبل أن تتحول إلى أزمات، ويعالج النقص دون تردد.

لكن هذه الميزة التي تمنحه أهميته هي نفسها التي تصنع معاناته، فكلما نجح في حل مشكلة، أصبح هو الحل المتوقع للمشكلة التالية، وكلما أنقذ موقفاً، فيتحول مع الوقت إلى مساحة احتياطية لتعويض النقص في كل مكان.

تأقلم مع ضغط اللحظة المفاجئة، لحظة الطوارئ وغياب الآخر، اللحظة التي يجب أن يكون فيها حاضراً بكل جهوزيته، لأن الخطأ الذي قد يُغتفر من غيره لا يُغتفر منه.

والأصعب من ذلك أن الجوكر غالبًا لا يحصل على التقدير الذي يوازي قيمته، فالناس تحتفي عادة بمن يتصدر المشهد، أما من يمنع المشهد من الانهيار فقلما يُلتفت إليه.

إنه يشبه لاعب الاحتياط الذي يدخل في اللحظات الحرجة فيغير نتيجة المباراة، ثم يغادر دون أن تتصدر صورته العناوين.

ومع ذلك تبقى الحاجة إليه قائمة، فالأنظمة مهما بلغت دقتها، والمؤسسات مهما بلغت كفاءتها، لا تخلو من ظروف استثنائية وفراغات مفاجئة، وعندها يظهر الجوكر، ليس لأنه صاحب أعلى منصب، ولا لأنه الأكثر نفوذا، بل لأنه الأكثر قدرة على التحول والتكيف.

ولهذا فإن أهمية الجوكر لا تكمن في أنه أساس كل شيء، بل في أنه قادر على أن يكون أساس أي شيء عند الحاجة.

إنه الورقة التي لا تشبه غيرها، والورقة التي لا تكتمل اللعبة أحيانا إلا بها.