محمد العلي.. حين تصبح الحداثةُ وفاءً للروح لا خيانةً للتراث

نزار المصطفى
في المشهد الشعري السعودي، تمرُّ أسماءٌ كثيرة كالسحاب؛ تُحدث ضجيجًا ثم تمضي، وتتوهج لحظةً ثم تنطفئ، لكن أسماءً قليلة فقط تُشبه الجبال؛ تبقى، لأنها لم تكن صوتًا عابرًا، بل تحوُّلاً في الوعي، وانقلابًا في الذائقة، وإعادةَ تعريفٍ للشعر نفسه.
ومن بين تلك القمم الشاهقة يقف محمد العلي، لا بوصفه شاعرًا فحسب، بل بوصفه حالةً ثقافيةً كاملة، وضميرًا شعريًا نادرًا، وأحد المؤسسين الحقيقيين لحداثة القصيدة في المملكة العربية السعودية والخليج العربي.
وحين نقرأ ديوانه الاستثنائي «لا ماء في الماء»، فإننا لا نقرأ قصائد متفرقة، بل ندخل قارةً كاملة من الأسئلة، والوجع، والتأمل، والانكسارات النبيلة، والتمرد الهادئ، والبحث الموجع عن الإنسان وسط ركام العالم.
إنه ديوان لا يُقرأ بالعين وحدها، بل يُقرأ بالأعصاب، وبالذاكرة، وبالتجربة الإنسانية ذاتها.
في قصائد مثل “شظايا، يا سوف، يا صلاة النبي، هيلا هيلا، رثائية، آه متى أتغزل، دارين، لا ماء في الماء، الوجع، غبار، عروق المدينة”.
لا نجد شاعرًا يكتب اللغة، بل نجد اللغةَ وهي تعيد اكتشاف نفسها على يديه.
لقد كان محمد العلي من أوائل الذين أدركوا أن الحداثة ليست كسرًا للوزن فحسب، ولا تمردًا شكليًا على عمود الشعر، بل هي أولاً تحريرُ الرؤية، وتوسيعُ أفق الحساسية، وإدخالُ الإنسان العربي في مواجهةٍ صريحة مع هشاشته وأسئلته ومصيره.
ولهذا لم تكن حداثته مستوردةً من مقاهي باريس، ولا مترجمةً ترجمةً باردة عن كتب النقد الغربي، بل كانت حداثةً خارجةً من نخيل الأحساء، ومن تعب الإنسان الخليجي، ومن القرى التي يطحنها الانتظار، ومن الروح العربية حين تضيق بها اللغة التقليدية فتبحث عن نافذة أخرى للتعبير.
كان محمد العلي حداثيًا، نعم… لكنه لم يكن يومًا منبتًّا عن جذوره، وهنا تكمن عبقريته الكبرى.
لقد استطاع أن يصنع معادلةً نادرة، أن يكون حديثًا إلى أقصى مدى، وأصيلاً إلى أقصى العمق.
ففي قصائده، حتى أكثرها تجريبًا وغموضًا وإشراقًا رمزيًا، يبقى هناك شيء عربي قديم يتنفس في الداخل: إيقاع خفي، حنين صحراوي، شهقة بدوية، أثرٌ روحي يشبه المواويل الأولى.
إنه شاعر يعرف أن القصيدة ليست استعراضًا لغويًا، بل مصيرٌ إنساني، ولهذا جاءت لغته مشحونةً بالتوتر الداخلي؛ لغة لا تتكلم بقدر ما تنزف.
كان يرى العالم بعينٍ قلقة، ويكتب كما لو أنه يحاول إنقاذ المعنى من الخراب.
في «غبار» يتحول التلاشي إلى فلسفة وجود.
وفي «الوجع» يصبح الألم مادةً جمالية لا شكوى شخصية.
وفي «دارين» تتماهى الجغرافيا مع الذاكرة حتى تغدو المدينة كائنًا حيًا ينزف ويحنّ ويشيخ.
أما «لا ماء في الماء»، ذلك العنوان العبقري، فهو ليس مجرد مفارقة لغوية، بل تلخيص مكثف لعصر كامل من الخيبة الروحية؛ عصر تبدو فيه الأشياء ممتلئةً من الخارج، فارغةً من الداخل.
وهنا تتجلّى فرادة محمد العلي، أنه شاعر المعنى العميق دون ادعاء، وشاعر الفلسفة دون جفاف، وشاعر الحداثة دون قطيعة مع الإنسان، لقد سبق زمنه في أشياء كثيرة.
فبينما كان كثيرون منشغلين بزينة القصيدة، كان هو منشغلاً بجوهرها، وبينما كان بعض الحداثيين يسقطون في الغموض المجاني، كان غموضه هو غموض الرؤيا، لا غموض العجز، وكانت قصيدته، مهما ارتفعت في التجريد، تعود دائمًا إلى الإنسان: إلى خوفه، وحبه، ووحدته، وحنينه، وأسئلته التي لا تنتهي.
ولعل ما يمنح تجربة محمد العلي عظمتها الحقيقية هو أنه لم يكن شاعرًا فقط، بل كان عقلًا نقديًا وفكريًا وثقافيًا مارس دوره في تشكيل الوعي السعودي الحديث.
لقد كان من أوائل الذين نقلوا الثقافة السعودية من مرحلة التلقي إلى مرحلة السؤال.
وكان يدرك أن وظيفة الشاعر ليست التسلية، بل إيقاظ الحسّ الإنساني، وكشف المناطق المعتمة في الروح والمجتمع واللغة، ولهذا بقي شعره حيًا.
فالقصائد التي تُكتب للزمن تموت بزوال الزمن، أما القصائد التي تُكتب للإنسان فتبقى ما بقي الإنسان.
وسيظل محمد العلي أحد أولئك الكبار الذين لا يمكن تجاوزهم عند الحديث عن الشعر السعودي الحديث، لأنه لم يكن مجرد شاعر ناجح، بل كان منعطفًا أدبيًا كاملاً.
إنه من القلائل الذين لا نصفهم بأنهم كتبوا الحداثة، بل نقول: لقد عاشوها، ودفعوا ثمنها، وحوّلوها إلى قدرٍ شعريٍ وإنسانيٍ خالد.



