أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«لو لم أكنها لم أكني»

صُبرةالأربعاء 10 يونيو 2026، 6:01 م
«لو لم أكنها لم أكني»

نزار المصطفى

هذه ليست قصيدة في مديح الأحساء فحسب، وليست أنشودة حنين إلى المكان، بل هي مشروع هوية كامل، ينهض على تحويل الجغرافيا إلى كيان وجودي، وعلى صهر الذات في المكان حتى يتعذر الفصل بينهما. هنا يبلغ جاسم الصحيح ذروة من ذرى تجربته الشعرية، حين لا يتحدث عن الأحساء بوصفها موضوعاً خارجياً للقول، وإنما بوصفها الجوهر الذي انبثقت منه الذات الشاعرة، والمرآة التي ترى نفسها فيها.

منذ المطلع يضعنا الشاعر أمام مفتاح الرؤية:

«الحب أشبه بالمغني

مقدار ما يعنو يعنّي»

فالحب هنا ليس حالة وجدانية ساكنة، بل فعل غناء، والغناء بطبيعته يوقظ الألم كما يوقظ الجمال. إن العلاقة بين «المغني» و«يعني» و«يعنّي» تؤسس منذ البداية لجدلية الشعر كلها: فالمعنى الحقيقي لا يولد إلا من المعاناة، والجمال لا يتحقق إلا عبر عبوره في وجدان صاحبه.

ثم ينتقل إلى خطاب القلب:

«يا قلبي احتضن الحياة

لكي تظل صغير سنّ»

وهنا يظهر أحد أجمل أسرار جاسم الصحيح الشعرية؛ فهو لا يرى الشباب حالة عمرية بل حالة روحية. الشباب عنده قدرة مستمرة على الدهشة، والقدرة على الحب، والقدرة على التقبيل المتأني للحياة. لذلك تأتي العبارة المدهشة:

«وتأنَّ في التقبيل فالتقبيل يحلو بالتأني»

إنها حكمة شعرية عالية، لكنها في عمقها ليست عن القبلة، بل عن الوجود كله. فالأشياء العظيمة لا تُلتهم، وإنما تُتذوق. والحياة الجميلة ليست ما نمرّ عليه سريعاً، بل ما نقيم معه طويلاً.

ثم تبدأ الذات في العودة إلى أصلها الأول:

«إني على التمر انعقدت

وقلت للنخل احتضني»

هذه من أروع صور القصيدة كلها. فهو لا يقول: نشأت بين النخيل، بل يقول: انعقدت على التمر. وكأن مادة تكوينه البيولوجية والروحية ليست الدم والطين فحسب، بل التمر نفسه. إنها مبالغة شعرية تبلغ مرتبة الأسطورة، حيث يصبح الإنسان ابناً عضوياً للأرض.

وعندما يقول:

«هجر نواة حقيقتي

لو لم أكنها لم أكني»

فإننا نبلغ قلب القصيدة النابض.

هنا تختفي الحدود بين الإنسان والمكان تماماً.

إنه لا يقول: هجر وطني.

ولا يقول: هجر مدينتي.

ولا يقول: هجر أحب البلاد إليّ.

بل يقول: هجر هي نواة حقيقتي.

النواة هي المركز الذي تتخلق منه الشجرة كلها. فإذا أزلت النواة انهار الكيان. ولهذا تأتي العبارة التالية مذهلة في تركيبها الفلسفي:

«لو لم أكنها لم أكني»

إنها من أكثر العبارات كثافة في الشعر العربي الحديث؛ إذ تتحول الهوية المكانية إلى شرط وجودي للذات. فلا وجود للأنا خارج المكان الذي صاغها.

ثم يتصاعد الانفعال حتى يبلغ مرتبة العشق الصوفي:

«ثقلت علي محبة

كبرى فيا ربي أعني»

فالحب هنا لم يعد شعوراً، بل عبء وجودي جميل. ولذلك يطلب العون الإلهي على احتمال فيض المحبة.

ويصل هذا العشق إلى ذروته في البيت البديع:

«ما عاد قلب واحد

يكفي محبتها فثنّي»

إنها صورة صوفية بامتياز؛ فالمحب يحتاج إلى قلبين، لأن قلباً واحداً لم يعد قادراً على استيعاب هذا الفيض.

وفي المقطع الثاني تتحول الأحساء إلى أنثى كونية:

«هجر وتنفتح الجهات

على فراديس التمني»

فالجهات كلها تنفتح عليها، وكأنها مركز العالم الروحي.

ثم يقول:

«أنثى من النخل الموشح

بالخضار المطمئن»

لاحظ عبقرية الوصف.

الخضرة ليست خضراء فقط.

إنها «مطمئنة».

لقد منح اللون حالة نفسية.

وهذا من أرقى أشكال التشخيص الشعري.

ثم يطلق عليها:

«هجر عروس الخافقين»

والخافقان هما المشرق والمغرب.

أي أنها ليست عروس منطقة أو إقليم، بل عروس الكون كله.

غير أن أجمل ما في هذا المقطع يتمثل في البيت الذي أصبح أشبه ببيان حضاري للأحساء:

«لا النخل شيعي هنا

كلا ولا الينبوع سني»

في هذا البيت تتجاوز القصيدة حدود الجمال الفني لتدخل فضاء الرؤية الإنسانية.

فالشاعر يرفض تقسيم الطبيعة وفق انقسامات البشر.

النخل لا ينتمي إلى مذهب.

والماء لا يحمل بطاقة هوية.

والأرض أوسع من كل العصبيات.

ثم تأتي الخلاصة المدهشة:

«فأنا من الأحساء جئت

وجاءت الأحساء مني»

وهي معادلة تبادلية نادرة الجمال.

فالإنسان ابن المكان.

لكن المكان أيضاً لا يكتمل إلا بأبنائه.

إنها علاقة خلق متبادل بين الذات والجغرافيا.

وحين يقول:

«مستمسكون بعروة الثقلين:

آداب وفن»

فإنه يمارس انزياحاً ذكياً على التعبير التراثي المعروف، لينقل الثقلين من دلالتهما الدينية إلى فضاء الثقافة والجمال، مؤكداً أن الأدب والفن من أهم مقومات الحضارة الإنسانية.

ثم يأتي مقطع «لحقول أجدادي أغني»، وهو في تقديري أعمق مقاطع القصيدة وأصدقها وجداناً.

هنا يخرج الشاعر من الأحساء بوصفها طبيعة إلى الأحساء بوصفها تاريخاً بشرياً.

لم يعد يغني للنخل.

بل للرجال الذين زرعوا النخل.

لم يعد يغني للماء.

بل للأيدي التي حفرت مجاريه.

إنه نشيد وفاء للأجداد.

ولذلك تتوالى لامات الإهداء:

«لحقول أجدادي أغني»

«لكرومهم»

«لصدى سواقيهم»

«لهديل أذرعهم»

«لوجوههم»

«لرؤوسهم»

«لوفائهم»

«لهمومهم»

هذا التكرار ليس زخرفاً إيقاعياً، بل يشبه انحناءات متتالية أمام تاريخ طويل من الكدح الإنساني.

ومن أروع الصور قوله:

«لوجوههم منها تطل

ملامح الزمن المسن»

فالزمن نفسه صار شيخاً يطل من وجوههم.

إنه تجسيد بصري بالغ الإدهاش.

أما قوله:

«لرؤوسهم في البن تكبر

تغتدي أشجار بن»

فهو من أجمل صور التكريم في الشعر العربي المعاصر؛ إذ تتحول رؤوس الرجال إلى أشجار، في دلالة على الرسوخ والعطاء والخصب.

وفي الخاتمة ترتبك القصيدة نفسها:

«هجر وترتبك القصيدة

هل تصرح أم تكني؟»

إنها لحظة وعي النص بنفسه.

فالقصيدة تدرك عجزها عن الإحاطة بمحبوبتها.

كل ما قيل ما زال أقل مما تستحقه هجر.

ثم تأتي الرؤية الشعرية الكبرى:

«فالشعر لا معنى له

في الأرض إلا ما يعني»

إنها عقيدة جاسم الصحيح الفنية.

الشعر ليس ألعاباً لغوية.

ولا زخارف لفظية.

إنما هو انحياز إلى ما يمس الإنسان ويعنيه.

ثم يختم بأسطورة الشعر نفسها:

«الشعر إنسي تحدر

نسله من نسل جني»

ليعيدنا إلى الموروث العربي القديم الذي رأى في الشعر كائناً غامضاً يتجاوز التفسير العقلي.

إن هذه القصيدة ليست قصيدة مكان، بل قصيدة انتماء. وليست قصيدة حنين، بل قصيدة تكوين. وليست قصيدة مديح للأحساء، بل قصيدة اتحاد وجودي بين الشاعر وأرضه. وقد استطاع جاسم الصحيح أن يحقق فيها معادلة نادرة: أن يكون محلياً إلى أقصى درجات المحلية، وفي الوقت نفسه إنسانياً إلى أقصى درجات الإنسانية. فكل قارئ يخرج منها وهو يشعر أن له «هجره» الخاصة، ومكانه الأول الذي لو لم يكنه لما كانه. وهنا تكمن عظمة الشعر الكبير؛ أنه يبدأ من نخلة في الأحساء، وينتهي إلى سؤال الهوية الإنسانية كلها.

الحُبُّ أَشْبَهُ بالمُغَنِّي

مقدار ما يعنو يُعَنِّي

يا قلبيَ احْتَضِنِ الحياةَ

لكيْ تَظَلَّ صغيرَ سِنِّ

وتَأَنَّ في التقبيلِ، فالــــ-

ــتقبيلُ يحلو بالتَّأَنِّي

إنِّي على التَّمرِ انعقدتُ

وقلتُ للنَّخلِ: احْتَضِنِّي

أحسنتُ ظَنِّيَ بالهوى

ثُمَّ احتفلتُ بحُسْنِ ظَنِّي

(هَجَرٌ) نَوَاةُ حقيقتي

لو لم أَكُنْهَا لم أَكُنِّي!

ثَقُلَتْ عليَّ مَحَبَّةً

كُبرى، فيا ربِّي: أَعِنِّي

ما عادَ قلبٌ واحدٌ

يكفي مَحَبَّتَهَا.. فـثَنِّي

كلُّ المنابعِ في مرابِعِها-

تسيلُ إِلَـيَّ مِنِّي

وسِوَى (عَرُوضِ) غرامِها

تَعِبَ الغرامُ ولم (يَـزِنِّـ)ـي

وسِوَى مجازِ نسائِها

ما مِنْ مجازٍ لم يَخُنِّي

(هَجَرٌ) وتنفتحُ الجهاتُ

على فراديسِ التَّمَنِّي

أُنثَى من النَّخْلِ المُوَشَّحِ-

بالخَضَارِ المُطْمَئِنِّ

(هَجَرٌ) عروسُ (الخافِقَينِ)

لها الحياةُ يَدٌ تُحَنِّي

والطيرُ (طَرحَةُ) عُرسِها

فـبَيَاضُها ثغرٌ يُغَنِّي

يا مَنْ تُسَائِلُ عن بلاديَ-

إنَّما سَاءَلْتَ عنِّي

لا النخلُ (شيعيٌّ) هُنا

كَلَّا، ولا الينبوعُ (سُنِّي)

فأنا من (الأحساءِ) جئتُ

وجاءتِ (الأحساءُ) مِنِّي

مستمسكونَ بعُرْوَةِ (الـــــــ-

ـثَّقَلَينِ): آدابٍ وفَنِّ

لِـحُقولِ أجدادي أُغَنِّي

لـكُرُومِهِمْ في قعرِ دَنِّي

لِصَدَى سواقيهِمْ.. تُرَدِّدُ-

لحنَ بلبلِها الأَغَنِّ

لـِـهديلِ أَذْرُعِهِمْ على

وَتَرِ المحاريثِ المُرِنِّ

لِـوُجُوهِهِمْ منها تُطِلُّ

ملامحُ الزَّمَنِ المُسِنِّ

لِـرُؤُوسِهِمْ في البُنِّ تكبرُ..

تغتدي أشجارَ بُنِّ!

لِـوَفَائِهِمْ؛ والوقتُ يقلبُ-

ضِدَّهُمْ ظهرَ المِجَنِّ

لِـهُمُومِهِمْ؛ وأنا ابنُها

عبرَ الحقيقةِ لا التَّبَنِّي

للأرضِ تَحْفَظُهُمْ منابعَ-

في أضالعِها الأَحَنِّ

(هَجَرٌ) وترتبكُ القصيدةُ:

هل تُصَرِّحُ أَمْ تُكَنِّي؟!

فالشعرُ لا معنًى لهُ

في الأرضِ؛ إلَّا ما يُعَنِّي

الشعرُ إِنْسِيٌّ تَحَدَّرَ-

نَسْلُهُ من نَسْلِ جِنِّي

هُوَ عَلَّمَ الشَّرقَ الشُّروقَ

وأَلهَمَ البحرَ التَّثَنِّي