سيرة طالب 136 | الشيخ الفياض قمة الورع

الشيخ علي الفرج
رأيتُ مقطعاً منشوراً على اليوتيوب بعنوان “لقاء جماعة مع المرجع الشيخ محمد إسحاق الفياض وكلام حول المرجع السيد محمد حسين فضل الله – 1433هـ”، وقد شدّ انتباهي إصرار بعضهم على استلال كلمات الشيخ الفياض لإثبات ما يذهبون إليه من مواقف إجبارية.
غير أنّ من ينصت إلى المقطع الذي يدور حول الدقيقة 17، لا يجد لفظة “ضال” ولا “مضل” صادرةً من سماحة الشيخ الفياض، رغم إلحاح السائلين ومحاولاتهم استنطاقه بما يؤيد ما يريدون الوصول إليه. وفي الحقيقة إن الشيخ اعتبر أن كسر ضلع الزهراء عليها السلام حادثة تاريخية لا أكثر.
وهنا تتجلّى قيمة العالم المنصف، الذي لا تدفعه الضغوط إلى تجاوز حدود ما يعتقده، ولا تحمله الأجواء المشحونة على إطلاق الأحكام جزافاً.

الشيخ محمد إسحاق الفياض
وقد ذكّرني هذا المقطع بحادثة عشتها بنفسي قبل سنوات. اتصل بي أحد محبّي طلبة العلم وقال: عندي في المجلس أربعة من طلبة العلم، فلو تفضّلت بالحضور.
فقلت له “أنا في خدمتكم خلال خمس دقائق.”
وصلت إلى المجلس، وسلّمت على الحاضرين، فوجدت الحديث دائراً حول المرجع السيد محمد حسين فضل الله ومسألة كسر ضلع الزهراء عليها السلام. وجلست أستمع، ولم أنطق بكلمة واحدة طوال نحو ربع ساعة، حتى فرغوا من طرح آرائهم، وقد انتهى بهم النقاش إلى الاتفاق جميعاً على أنّ السيد فضل الله ضال.
عندها قلت لهم “لو سمحتم عندي كلمة واحدة فقط، وهي: لا بدّ من التفريق بين من يوصف بالضلال لانحرافه عن أصل من أصول العقيدة، وبين من يناقش أو يختار رأياً في قضية تاريخية.”
فالسيد فضل الله ـ بحسب محل البحث، وهو كسر الضلع ـ لم يتكلم في أصل عقدي، وإنما ناقش حادثة تاريخية.
وما إن انتهيت من هذه الجملة حتى تغيّر جوّ المجلس، وتسابق الأربعة إلى الرد، فقال الأول “أنا أجيب”، وقال الثاني “بل أنا أرد عليه”، وقال الثالث “أنا الذي سأتولى الرد”، وقال الرابع “أنا أعرف الجواب”.
لكن اللافت للنظر أنّ أحداً منهم لم يتعرض لمضمون كلامي، ولم يبيّن وجه الضلال فيه، ولم يستطع أن يثبت أنّ المسألة المطروحة تمسّ أصلاً من أصول العقيدة. بل وجدوا أنفسهم مضطرين إلى إدخال القضية التاريخية في دائرة العقيدة تكلفاً، حفاظاً على النتيجة التي استقروا عليها سلفاً، وهي الحكم بالضلال.
واحتدم النقاش إلى أن انتهى، وبعد أن خرجنا مع طلبة العلم وأنا أسلّم على سيدهم الكبير، قلت له بهدوء: تفضلوا، بيتي قريب، نجلس ونستأنس بكم.
فقال لي “أنا لا أدخل بيتك أبداً بعد أن قلت هذا الكلام السيئ.”
وقد استوقفتني هذه العبارة كثيراً؛ لأنها انعكاس لموقف سابق متجذر في النفس، حتى إنه لم يدخل بيتي طوال أكثر من 15 عاماً، ولا يزال على ذلك إلى يومنا هذا.
وأيقنت أن الإنصاف الحقيقي هو أن يمنح الدليل حقَّه كاملاً، وأن تُترك للحقيقة فسحتها لتظهر كما هي، لا كما نريد لها أن تكون.



