أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

فقدان الذات واستعادتها: الحكاية والصدمة في نوفيلا «نجلاء»

صُبرةالأحد 14 يونيو 2026، 1:43 م
فقدان الذات واستعادتها: الحكاية والصدمة في نوفيلا «نجلاء»

محمد المخرق

احتفت معظم القراءات التي تناولت نوفيلا (نجلاء) للأديبة الدكتورة ظافرة القحطاني بجرأة موضوعها وتوقفت عند تقنيات تيار الوعي وتشظي الزمن والانتقال بين الهذيان والواقع. غير أن سؤالا آخر يفرض نفسه: ماذا يبقى للإنسان حين يفقد يقينه الأخلاقي وصورته عن ذاته والعالم؟ وكيف تعثر الذات المصدومة على طريقها نحو الحياة بعدما تتشظى في الداخل؟

في هذا الأفق تبدو (نجلاء) رحلة شاقة لاستعادة الذات عبر استعادة الحكاية. الصدمة في هذا النص تجربة تتجاوز قدرة الوعي على استيعابها لحظة وقوعها فتستقر في الأعماق ثم تعود في هيئة صور مبتورة وأصوات متداخلة وذكريات متكسرة تبحث عن لغة تتسع لها..

منذ الصفحات الأولى يُلقى القارئ في قلب وعي مرتبك يتعذر عليه الفصل بين ما يحدث وما يُتخيل حدوثه. العربة التي تنقل نجلاء والأصوات اللزجة والوجوه المتكاثرة والرعب الذي يطاردها تتحول الى أدوات تكشف طريقة إدراك الذات للعالم بعد الانهيار.

ولهذا يتكرر النداء الذي يكاد يتحول الى لازمة وجودية في النص:

(لقد فقدت نفسي… لقد فقدت نفسي)

تكشف هذه العبارة طبيعة الجرح الذي أصاب نجلاء.. جرحا طال استمرارية الهوية ذاتها. لم تعد قادرة على الوثوق بذاكرتها أو أحاسيسها أو قدرتها على تفسير ما جرى. أخذت المسافة تتسع بينها وبين نفسها حتى غدت تنظر إليها بوصفها كائنا غريبا.

هنا تقترب النوفيلا من التصور الذي تقدمه كاثي كاروث للصدمة. فالحدث الصادم بحسب كاروث لا يستنفد أثره في لحظة وقوعه وإنما يعود متأخرا عبر التكرار القهري والصور الاقتحامية؛ لأن الذات لم تمتلك القدرة على استيعابه حين حدث. ولهذا يظهر الماضي في نجلاء قوة حاضرة تتسلل الى الوعي وتعيد تشكيله مرة بعد أخرى.

ومن أكثر المشاهد إيلاما تكرار نداء الأم:

(أماه… أماه… أين أنت؟… ولكنها لا تأتي)

يحمل هذا النداء معنى يتجاوز طلب النجدة إذ يكشف انهيار صورة الأم بوصفها مصدرا للأمان والحماية. يتحول الغياب إلى جرح دائم ويصبح الانتظار جزءا من التجربة الصدمية نفسها. ويتردد السؤال القديم في أعماق البطلة: من يحمي الطفل حين يغيب الحارس الأول؟

وتبلغ النوفيلا ذروة قسوتها مع انكشاف العلاقة المعقدة مع عائض. تتجاوز هذه الشخصية صورة المعتدي التقليدية؛ فهو جزء من شبكة علاقات مختلة اختلطت فيها السلطة بالرغبة والتبعية بالحاجة حتى غدا العنف ممارسة يومية فقدت قدرتها على إثارة الدهشة لدى المحيطين بها. ومن خلاله يفتح النص سؤال المسؤولية الجماعية ويقود القارئ إلى تأمل الكيفية التي تتحول بها البيئات المأزومة إلى فضاءات تعيد إنتاج الأذى وتبرره.

وعلى المستوى الفني تبني الدكتورة ظافرة القحطاني نصها عبر التداعي الحر وتشظي الأزمنة وكثافة الصور الحسية. تؤدي الروائح والألوان والأصوات وظيفة بنائية في تشكيل التجربة الصدمية فتدفع القارئ الى معايشة الارتباك من الداخل. يتقدم السرد ويتراجع ويستدير حول جرحه ويقترب منه بحذر.. في محاكاة دقيقة لطبيعة الذاكرة المجروحة.

وتؤدي كثافة الصور الهلوسية والتكرار اللفظي في بعض المقاطع إلى إبطاء الإيقاع السردي وهو خيار فني ينسجم مع طبيعة الوعي المصدوم الذي يدور حول جرحه قبل أن يقترب من مركزه. فالصدمة تتحرك في دوائر متكررة وتستعيد تفاصيلها على نحو متعثر قبل أن تقترب من مركز الألم.

ويكتسب حضور الطبيب أهمية خاصة في هذا السياق. يؤدي دور الوسيط الذي يرافق نجلاء في انتقالها من الفوضى إلى الحكي ومن الصمت إلى الاعتراف. وتتخذ جلسات الاسترجاع وظيفة تتجاوز العلاج السريري إذ تفتح أمام البطلة فرصة إعادة ترتيب ذاكرتها وصياغة تجربتها في سرد قابل للفهم. وكأن الحكي هنا يتحول إلى فعل معرفة بالذات بقدر ما هو فعل تعاف منها.

تقول نجلاء في إحدى اللحظات المفصلية:

(وأعاد لي حديثي عن نفسي… أعاد لي توازني… وشعرت بأنني استعدت نفسي)

تكشف هذه اللحظة أن استعادة القدرة على الكلام تمثل بداية استعادة الذات. فالحكاية تمنح التجربة شكلا يمكن احتماله وتخفف من سطوة الفوضى التي فرضتها الصدمة على الوعي.

بعد هذا العبور الطويل بين الهذيان والاعتراف لا تبدو نجلاء وقد استعادت عالمها القديم أو براءتها الأولى. ما تستعيده حقا هو قدرتها على مخاطبة نفسها دون أن تودعها في كل مرة. تتراجع عبارة:

(آه… وداعا يا نفسي)

لتحل محلها حكاية تعرف صاحبتها أنها موجعة لكنها حكايتها.. وروايتها بصوتها الخاص كانت الخطوة الأولى نحو النجاة.