من فتاة “يعرب” إلى الأم الضائعة

نزار المصطفى
هذه القصيدة ليست قصيدةً في اللغة العربية فحسب، بل هي قصيدةٌ في فكرة اللغة، وفي العلاقة الوجودية بين الإنسان ولسانه، وبين الأمة ووعائها الحضاري. ومن يقرأها قراءة سطحية يظنها قصيدة مديح للغة العربية، أما من يغوص في أعماقها فيكتشف أنها رحلة تبدأ بالغزل وتنتهي بالرثاء، وتبدأ بالاحتفاء وتنتهي بالعتاب، وتبدأ بصورة المرأة وتنتهي بصورة الأم الضائعة.
ولعل أول ما يلفت الناقد المتأمل أن الشاعر لم يدخل إلى العربية من باب العلم ولا من باب التاريخ ولا من باب الدين، وإنما دخل إليها من أقدم أبواب الشعر وأخطرها: باب الأنثى.
فالعنوان نفسه: “فتاة يعرب”.
لم يقل: لغة يعرب.
ولم يقل: لسان يعرب.
ولم يقل: العربية.
بل اختار “فتاة”.
وهذا الاختيار ليس زخرفاً بل هو مفتاح النص كله.
فاللغة عند جاسم عساكر ليست نظاماً من القواعد، بل كائن حي، ينبض ويشيخ ويغار ويعاتب ويشتاق ويُهجر ويُحب.
ومنذ البيت الأول:
عذراءُ ما هتكَ الزمانُ حجابَها
إلا ليفتنَ بالهوى أحبابَها
نجد أنفسنا أمام استعارة كبرى تمتد على طول القصيدة كلها.
فاللغة تتحول إلى امرأة أسطورية.
والشاعر ينجح في الحفاظ على هذا القناع الشعري عشرات الأبيات دون أن يتصدع أو يضعف.
وهذه قدرة فنية نادرة.
في القسم الأول من القصيدة يشيّد الشاعر تمثال العربية من عناصر الجمال.
العنق.
الصدر.
الفم.
الأهداب.
الخصر.
الشباب.
الصبا.
الفراشات.
الزهور.
العناقيد.
الخمائل.
السحاب.
وهنا نكتشف أن جاسم عساكر ليس معنياً بوصف اللغة بقدر ما هو معنِيٌّ بإثارة الإحساس بها.
إنه لا يريد أن يشرح العربية.
بل يريد للقارئ أن يقع في حبها.
وهذا فرق جوهري بين الشاعر والمعلم.
لكن الأجمل من ذلك أن الجمال الجسدي يتحول بالتدريج إلى جمال معرفي.
فالبلاغة تصبح زينة.
والبديع كحلاً.
والبيان خيمة.
والتعبير عاشقاً.
والمجاز كتفاً تتكئ عليه.
والنحو مقوّماً للإعراب.
والصرف حارساً للأبواب.
وهنا تتجلى براعة الشاعر في تحويل العلوم الجافة إلى شخصيات حية.
إنه يأنسن العلوم.
ويبعث الروح في المصطلحات.
ويجعل النحو والصرف والبلاغة كائنات تتحرك داخل المشهد الشعري.
وهذه من أجمل مزايا النص.
غير أن الناقد المتعمق يلاحظ أمراً مهماً.
فالقصيدة في نصفها الأول تعتمد على الوفرة أكثر من الاكتشاف.
أي أن الشاعر يراكم الصور الجميلة الواحدة بعد الأخرى.
وهو نجاح موسيقي بلا شك.
لكنه أحياناً يقترب من التخمة الوصفية.
فبعض الأبيات تبدو امتداداً للزخرفة السابقة أكثر مما تمثل إضافة جديدة للفكرة المركزية.
وهذه ملاحظة فنية لا تنتقص من جمال القصيدة لكنها تشير إلى أن الشاعر كان مأخوذاً بسحر الصورة إلى حد أنه أحياناً يؤخر حركة المعنى.
ومع ذلك فإن القصيدة تبلغ ذروتها الحقيقية حين تغادر الغزل إلى الحضارة.
عندما يقول:
وعلى يديها الفجر يلمع ساطعاً
مذ سلسلت في العالمين كتابها
هنا ترتفع القصيدة فجأة من جمال الأنثى إلى عظمة الرسالة.
ومن الوصف إلى التاريخ.
ومن الحسن إلى الحضارة.
وتبدأ العربية في التحول من امرأة جميلة إلى أمّة كاملة.
ثم تأتي سلسلة الأسماء:
الخليل.
ابن جني.
النحاة.
الشعراء.
عكاظ.
لبيد.
وهنا لا يستدعي الشاعر الأعلام لمجرد التفاخر التراثي.
بل ليؤكد أن هذه المرأة لم تنشأ وحدها.
وأن حولها تاريخاً من العشاق والخدم والحراس والبناة.
إن العربية هنا أشبه بملكة عظيمة مرّ على بلاطها كبار الرجال.
لكن التحول الأخطر والأعمق في القصيدة يقع عند كلمة واحدة:
“لكن”.
فبعد هذا الاحتفال الطويل بالعربية تأتي الصدمة.
عتبتْ على أبنائها لما انثنوا
عن حوضها متجاهلين عتابها
وهنا يبدأ النص الحقيقي.
بلغة النقد يمكن القول إن كل ما سبق كان تمهيداً لهذه اللحظة.
لأن الشاعر لم يكن يريد مدح العربية فقط.
بل كان يريد البكاء عليها.
ومن هنا تتغير نبرة القصيدة.
يتحول الفخر إلى أسى.
والنشيد إلى مرثية.
والاحتفال إلى محاكمة.
والأنثى الجميلة إلى أم مهجورة.
ويصل جاسم عساكر إلى بعض أقوى أبياته حين يقول:
ركبوا الهجين من الكلام وما رعوا
مجد الأصيل فضيعوا أنسابها
إنه لا يرثي اللغة لأنها ضعفت.
بل يرثي أبناءها لأنهم ابتعدوا عنها.
فالجرح ليس في العربية.
بل في أهل العربية.
ثم تأتي صورة شديدة القسوة:
لا حزن أوجع من مناظر روضة
فيها اغتدى فلاحها حطابها
هذه ليست صورة لغوية فحسب.
إنها صورة حضارية كاملة.
فالفلاح وظيفته الزراعة.
لكن حين يتحول إلى حطاب فإنه يدمر ما كان ينبغي أن يرعاه.
وهنا تكمن مأساة اللغة ومأساة الثقافة ومأساة الأمة كلها.
أما الذروة الوجدانية الكبرى فتأتي في الخاتمة:
يا أنت يا أمي التي ضيعتها
في الأمهات وقد طمست خضابها
هنا يسقط قناع الأنثى.
ويسقط قناع اللغة.
وتظهر الحقيقة.
العربية لم تعد فتاة.
ولم تعد حبيبة.
ولم تعد ملكة.
لقد أصبحت أماً.
وهذه النقلة النفسية بالغة الأهمية.
فالحبيبة يمكن استبدالها.
أما الأم فلا بديل عنها.
ولهذا فإن البيت من أعمق أبيات القصيدة كلها.
ولو أردت أن أوجز جوهر النص في عبارة واحدة لقلت:
إن جاسم عساكر لم يكتب قصيدة في اللغة العربية، بل كتب سيرة عشق كاملة تبدأ بالإعجاب بالجمال، ثم الافتتان بالكمال، ثم الاعتزاز بالمجد، ثم الحزن على الإهمال، ثم العودة في النهاية إلى حضن الأم.
أما ملاحظتي النقدية الأبرز على النص فهي أن الشاعر أبدع إبداعاً استثنائياً في بناء الاستعارة الكبرى للغة بوصفها امرأة، لكنه أطال المقام في بعض لوحات الزينة والوصف حتى كاد المعنى المركزي يتوارى أحياناً خلف كثافة المحسنات والصور. ومع ذلك فإن قوة الفكرة ووحدة الرمز وجمال الموسيقى وصدق العاطفة أعادت للنص توازنه، فجاءت القصيدة واحدة من أجمل القصائد المعاصرة التي احتفت بالعربية لا بوصفها لغةً فحسب، بل بوصفها هويةً وذاكرةً وأماً وحضارةً ومصيراً.

عذراءُ ما هتكَ الزمانُ حجابَها
إلاَّ ليفتـنَ بالهوى أحبابَها
تختالُ من ألفِ الجمالِ ليائهِ
ترعى صباها كي تصونَ شبابَها
عنقٌ لها يعلو و صدرٌ ناهدٌ
و فمٌ ، يبلُّ رحيقُهُ آدابَها
يزهو بها زيتُ (البلاغةِ) ساهراً
حولَ (البديعِ) مُكحِّلاً أهدابَها
لم يعهدِ التاريخُ أنثىً مثلَها
أنثىً تبزُّ بحسنِها أترابَها
غمزتْ فأيقظتِ الصباحَ مُسائلاً :
ماذا أسالَ منَ الزهورِ لعابَها ؟!!
وأتتْ فراشاتِ الكلامِ بحقلِها
تشكو الخمولَ ، فطيَّرتْ أسرابَها
وبخصرها نصبَ (البيانُ) خيامَهُ
و أدارَ قهوتَهُ ، و صبَّ شرابَها
لم تبقَ من خيمِ الفصاحةِ خيمةٌ
ما ثبَّتتْ في أرضِها أطنابهَا
وسعى لها (التعبيرُ) فاتكأتْ على
كتفِ (المجازِ) و أبهرتْ كُتّابَها
(النحوُ) ما وقعتْ بهِ أحمالُهُ
فوقَ الشفاهِ ، مقوِّماً (إعرابَها)
و (الصرفُ) لم يعثُرْ على أعتابِها
بل راحَ يُعْلي في النُّهى أعتابَها
إعجازُها (الإيجازُ) دونَ رطانةٍ
تُبدي المرادَ ، و تتَّقي (إطنابَها)
تتقلَّبُ الأفكارُ هانئةً على
سُررِ (الخيال)ِ ، إذا دعتْ أصحابَها
ثقُلتْ عناقيدُ المعاني فانحنتْ
كي يجتني عشَّاقُها أعنابَها
لم تطمسِ (الفيزياءُ) لمعةَ عنصرٍ
فيها ، تشاغبُ بالبريقِ ترابَها
يمشي بها (الفعلُ المضارعُ) عابراً
سككَ السنينِ مُخلِّفاً أحقابَها
وعلى يديها الفجرُ يلمعُ ساطعاً
مذ سلسلتْ في العالميـنَ (كتابَها)
و بدتْ تشعُّ على المدى ألفاظُهُ
درراً تطرِّزُ للحياةِ ثيابَها
كبُرتْ و ما شابتْ جدائلُ طفلةٍ
راحتْ تداعبُ في الفضاءِ سحابَها
تُدعى بسيّدةِ اللغاتِ وحسبُها
أنَّ اللغاتِ تنازعتْ ألقابَها
سالتْ فراتاً في جوانحِ (يعربٍ)
فمضى يرشُّ سهولَها و هضابَها
فنمتْ زهورُ العبقريّةِ حولَها
ملءَ الحقولِ ، و وزَّعتْ أطيابَها
لله ساقيةٌ أدارتْ كأسَها
فِكَراً تفوحُ ، و رنَّحَتْ شُرَّابَها
سارَ (الخليلُ) على خُطى إيقاعِها
و مضى (ابنُ جنِّيٍّ) يزورُ قبابَها
و بِها (النحاةُ) على مقاعدِ درسِها
مذْ درَّسُوها أصبَحوا طُلَّابَها
و رنَا لها الشعراءُ .. كلٌّ يشتهي
لو أنَّها حطَّتْ لديهِ ركابَها
رفعوا منَ الأوزانِ أُسَّ بنائِها
ومنَ القوافي شيَّدوا محرابَها
و على (عكاظٍ) من روائعهمْ يَدٌ
كانتْ تُقيم خطيبَها و خطابَها
يشدو (لبيدٌ) ملءَ خيمتِها التي
شهدتْ هناكَ ذهابَها و إيابَها
لغةُ الخلودِ و أيُّ كأسٍ لذّةٍ
للشاربيـنَ إذا احتسوا أنخابَها ؟؟
ما عابَها طولُ السُّرى أو شانَها
لا شيءَ فيها شانَها أو عابَها !!
عتبتْ على أبنائِها لما انثنَوا
عن حوضِها مُتجاهليـنَ عتابَها
ركبوا الهجيـنَ منَ الكلامِ وما رعَوا
مجدَ الأصيلِ فضيَّعوا أنسابَها
لا حزنَ أوجعُ من مناظرِ روضةٍ
فيها اغتدى فلاَّحُها حُطَّابَها
لا حزنَ أوجعُ من نواحِ حمامةٍ
إن كانَ سهمُ الحارسيـنَ أصابَها
دعني أُحلِّقُ في مدارجِ صوتِها
و أزورُ حارتَها ، و أطرقُ بابَها
و أظلُّ أسألُ في معارجِ حيرتي :
هل أنتِ أنتِ ؟ و أستفزُّ جوابَها
كنَّا معاً يوماً ، وكانَ يقينُنا ..
ماذا تراهُ أرابَني و أرابَها ؟؟
يا أنتِ يا أمّي التي ضيَّعتُها
في الأمَّهاتِ ، و قد طمستُ خضابَها
عودي فما زالتْ منازلُكِ التي
غادرتِها يغزو الحنيـنُ رحابَها



